الموقع الرسمي للدكتور عبد الخالق كلاب

وثنية أم توحيد؟

الباب الثاني: جلد الذات
الفصل السادس: وثنية أم توحيد؟
يزعم بعض المتفقهين أن المجتمع الموري كان وثنياً، وأن العرب أخرجوه من الوثنية إلى التوحيد، وهذا وهم خالص، لأن الأمازيغ توصلوا إلى فكرة الإله الواحد قبل باقي الحضارات، وتقربوا إليه بالقرابين، ولا شك أن احتفالات بيلماون تعد امتداداً لطقوس تقديم القرابين للإله الواحد، وهي طقوس مارسها الموريون على امتداد تاريخهم الطويل، وقد تابعنا جميعاً احتفالات عام 2023م/1263ⵎ، التي جاءت مباشرة بعد إقرار الملك لرأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية، وهذا القرار يعد تجسيداً للعناية التي يوليها الملك محمد السادس للأمازيغية باعتبارها مكوناً رئيساً لهويتنا الأصيلة، ورصيداً مشتركاً للجميع بدون استثناء، وقد أعطى قرار الملك زخماً جديداً لاحتفالات بيلماون؛ إذ نظمت مهرجانات بالسوس على الخصوص، جرت تحت أنظار السلطات المحلية، كما شهدت مناطق كثيرة من بلدنا احتفالات دامت أياماً.
يدعى البعض أن احتفالات بيلماون تحوي طقوساً ماسونية، وذهب آخرون إلى القول بأنها شركية تدعو إلى عبادة الكبش الذي كان حسب زعمهم إلهاً للأمازيغ، ولحسم الجدل الدائر حول هذه الظاهرة، رأيت أن أقوم بتأصيل تاريخي لاحتفالات بيلماون بعيداً عن النقاش الأيديولوجي الذي أفرغها من حمولتها التاريخية، ولهذه الغاية أطرح الأسئلة الآتية: هل عبد الأمازيغ الكبش فعلاً؟ وما دلالات احتفالات الأمازيغ بالكبش؟ ولماذا يصر البعض على تكفير الأمازيغ ورميهم بصفات شنيعة؟
يحظى موضوع عبادة الأكباش باهتمام المؤرخين والأركيولوجيين، وقد كانت كتاباتهم في غالب الأحيان متسرعة وغير مبنية على أدلة علمية يقينية، فكان يكفي العثور على نقيشة صخرية يظهر فيها رجل وكبش للدلالة على أن ذلك الرجل كان يعبد كبشاً، وقد أشار إلى ذلك غابرييل كامبس في سياق حديثه عن نقيشة صخرية تظهر فيها أكباش برؤوسها شبه الكروية المزينة بالريش أو بأغصان الأشجار، وكيف أن الباحثين أولوها تأويلاً يفتقد إلى أبجديات البحث التاريخي، قال كامبس: "وقد كانت هذه الرسوم واسعة الانتشار في سائر جهات الأطلس الصحراوي مصدراً للكثير من الكتابات، فبعض أولئك المؤلفين قد رأى في تلك الرؤوس صورة للإله المصري آمون رع Amon-RÄ، واعتبروا تلك الرأس شبه الكروية معادلاً لقرص الشمس في الإله المصري" .
والحقيقة أن النقوش الصخرية المذكورة لا علاقة لها بالحضارة المصرية على الإطلاق، لأنها تنتمي إلى العصر الحجري الحديث (10000-4500 ق.م)، وبذلك، فهي سابقة لحضارة الفراعنة والفينيقيين والقرطاجيين والرومان، وهذا يدل على عراقة حضارة الأمازيغ وفاعليتهم.
إذا كانت هذه الطقوس عريقة وقديمة، فما دلالاتها؟ ينفي غابرييل كامبس فكرة عبادة الأمازيغ للأكباش بقوله: "ولا يسمح لنا تحليل المشاهد التي تظهر فيها الكباش ذات الرؤوس شبه الكروية بالتأكيد على أن هذه الحيوانات كانت معدودة في الآلهة، ففي معظم الحالات تكون هذه الحيوانات تتبع رجلاً على هيئة المصلي، فيكون لذلك يدير لها ظهره، فهذا يحملنا على الاعتقاد بأن فعل الصلاة يكون موجهاً إلى كيان آخر، وأن الكبش المغطاة رأسه بغطاء باذخ، والمحلى أحياناً بعقد مجدول، لا يزيد عن قربان يقدم إلى الآلهة" .
إن وجهة نظر غابرييل كامبس تكتسي أهمية بالغة، إذ أثبت أنه في الوقت الذي كانت فيه الحضارات القديمة وثنية، كان الأمازيغ يعتقدون بوجود إله يتقربون إليه بقربان، وهذا القربان كان عبارة عن كبش رأسه مغطى بغطاء باذخ ومحلى بعقد، فهل احتفالات بيلماون استمرار لظاهرة تقديم القرابين للإله الواحد الذي اعتقد الأمازيغ بوجوده منذ القديم؟ ولماذا اختار الأمازيغ الكبش قرباناً؟
للأكباش أهمية بالغة في حياة الأمازيغي، وهذا ما تعكسه رواية البكري أثناء حديثه عن أغمات وريكة بقوله: "وبها أسواق جامعة، فسوق أغمات وريكة يقوم الأحد بضروب السلع وأصناف المتاجر، يذبح فيها أكثر من مائة ثور وألف شاة، وينفذ جميع ذلك في ذلك اليوم" ، وبذلك، فالكبش له أهمية في حياة الأمازيغي، فهو مصدر رزقه، لذلك فلا غرابة أن نجدهم يقدمونه قرباناً للإله الواحد، فاعتقاد الأمازيغ بوجود إله، جعلهم يتقربون إليه بأهم ما يمتلكون، وهكذا نجد الأمازيغ أشد تمسكاً بالإسلام، لأن فكرة التوحيد عندهم كانت حاضرة منذ القدم، وهذا ما يفسر لنا كيف أن الأمازيغ اعتنقوا اليهودية، وقبلوا بالإسلام ديناً لموافقته لطبيعتهم العارفة بالله، وطردوا الأمويين لأن تصرفاتهم لم تكن نابعة من الدين في شيء، وبذلك، فاحتفالات بيلماون هي طقس ديني أمازيغي قديم، يرمز إلى تقديم القرابين للإله الواحد، وهو يدخل الآن في إطار التراث اللامادي الذي ينبغي دعمه ليكون قاطرة للاقتصاد الوطني.
غير أن الجدل الدائر اليوم حول احتفالات بيلماون ينبني على موقف يفتقد إلى تأصيل تاريخي، يجد أصحابه ضالتهم في تأويل روايات تاريخية على غير حقيقتها، منها ما أورده أبو عبيد الله البكري بخصوص قبيلةٍ كانت حسب زعمه تعبد كبشاً، بقوله: "ويلي بني لماس قبيل من البربر في جبل وعر، مجوس، يعبدون كبشاً، لا يدخل أحد منهم السوق إلا مستتراً" ، إن فهم هذه الرواية ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الآتية؛ أن البكري مؤرخ أندلسي كتب كتاب المسالك والممالك عام 460هـ/1068م/328ⵎ، وأنه كان يستقي أخباره من الأندلسيين الذين زاروا بلدنا، وبذلك فالذي نقل الخبر إلى أبي عبيد الله البكري شاهد الاحتفالات، مما يفيد بأن الأمازيغ مارسوها منذ القدم، ولكن الذي لا يتم الانتباه إليه هو أن الرواية المذكورة خضعت لتحوير واضح مرده إلى أمرين:
-أن الراوي الذي نقل الخبر إلى أبي عبيد الله البكري، رصد ظاهرة غريبة عن بيئته الأندلسية، فاعتقد كما يعتقد البعض اليوم أن تلك الاحتفالات شركية، وأن الذين يمارسونها مجوس، واعتقد أن دخولهم مستترين إلى السوق يدخل في إطار خجلهم مما يمارسونه، في حين أن ذلك يدخل ضمن طقوس الاحتفالات كما نشاهد اليوم.
-أن موقف البكري لم يكن موضوعياً على الإطلاق، لأنه روى ما نما إليه من أخبار في سياق حديثه عن الروافض البجلية، الذين كانوا يقطنون الجبل الذي كانت تقام فيه الاحتفالات؛ إذ قال: "وفي هذا الجبل إلى موضع يعرف بأسطوانات أبي علي في الجبل أيضاً (...) ومن أسطوانات أبي علي إلى قبيل من البربر يعرفون ببني ماغوس، ولهم سوق عامرة، وعن يمين بني ماغوس قبيل يقال لهم بنو لماس، وهم كلهم روافض، ويعرفون بالبجليين، نزل بين ظهرانيهم رجل بجلي من أهل نفطة قسطيلية قبل دخول أبي عبيد الله الشيعي إفريقية، يقال له محمد بن ورسند، ودعاهم إلى سب الصحابة –رضوان الله عليهم- وأحل لهم المحرمات، وزعم أن الربا بيع من البيوع، وزادهم في الآذان بعد أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً خير البشر، ثم بعد حي على الفلاح، حي على خير العمل، آل محمد خير البرية، وهم على مذهبه إلى اليوم، وأن الإمامة في ولد الحسن لا في ولد الحسين، وكان صاحبهم إدريس بن القاسم بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن إدريس" .
وقد ذهب البكري في خلافه المذهبي مع هؤلاء إلى تكفيرهم وإخراجهم من الملة، وعضد كلامه بحديث موضوع لا سند له، بقوله: "وفي الحديث أن في المغرب جبلاً يقال له درن [الأطلس الكبير] يزف يوم القيامة بأهله إلى النار كما تزف العروس إلى بعلها (...)، فإن صح هذا الحديث الذي ذكرنا، فإن المراد به هؤلاء والله أعلم" ، والذي دعا البكري إلى هذا التحامل هو موقفه من الفاطميين الشيعة، الذين كانوا في صراع دائم مع الأندلسيين.
إن البكري أكد تحامله بزعمه أن طقوس الاحتفالات شركية، وأورد حديثاً موضوعاً زف فيه أهل الأطلس الكبير إلى نار جهنم، وفي روايات سابقة رمى الشخصيات المورية التي حملت لواء المقاومة والثورة على الغزاة بالكفر والنبوءة؛ إذ اعتبر ميسرة المطغري حقيراً لأنه ثار على أمويي دمشق، واعتبر حاميم الغماري متنبئاً لأنه ثار على "أمويي الأندلس"، واليوم نجد بيننا أمثال البكري ممن يعيشون هوية فوق وطنية؛ أجسادهم هنا، وهواهم في المشرق، يأولون ماضيهم، ويفهمونه بهواهم المشرقي.
وفي الختام، أقول بأن احتفالات بيلماون، هي إحياء لطقوس مورية قديمة، تبرز التمسك بالأرض، وعبادة الإله الواحد، وهي دليل على أننا أمة تاريخية لها ذاكرة وموروث حضاري عريق ينبغي إحياؤه بدل اتخاذه مادة لنقاش أيديولوجي عقيم.
 ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.

إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع

دعم الموقع عبر PayPal

إرسال تعليق

أحدث أقدم