الباب الثاني: جلد الذات
الفصل السادس: عبرانيون أم موريون؟
يتوهم البعض أن يهود هذا البلد عبرانيون من نسل إسحاق، وهذا وهم خالص، والحقيقة أنهم أمازيغ اعتنقوا اليهودية، ولعل موقف البعض من هذه الفئة نابع من تأثرهم بالصراع العربي الإسرائيلي، وبذلك ساد في العقود الأخيرة خطاب إيديولوجي، يدعو إلى ذم اليهود، روجه بعض المتفقهين في الدين والسياسة، غير آبهين بالسياق التاريخي الذي أعطى لهذا البلد خصوصية فريدة، وهؤلاء صنفان؛ صنف مرجعيتة إسلاموية، ولا أقول دينية، لأن الدين يدعو إلى التسامح والتعايش والتساكن، وصنف نزوعه يساري عروبي، والرابط المشترك بينهما هو أن أدلوجتهما ليست وليدة البيئة المورية، بل مستوردة من الخارج.
إن مناقشة هذا الموضوع ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار السياق الموري الخاص؛ فاليهود أمازيغ اعتنقوا اليهودية قبل مجيء المسيحية والإسلام، وبذلك فالخلاف الواقع الآن ليس عنصرياً، ولا دينياً لأن الإسلام يدعو إلى التعايش بين الأجناس، فليس من المنطقي أن يفشل الخطاب الديني في خلق جو يسوده الاحترام بين أبناء الوطن الواحد والجنس الواحد، والواقع أن اليهود لم يقلق راحتهم سوى الفقهاء الذين رأوا فيهم خطراً على مصالحهم ومصالح النخبة التي ينتمون إليها، لذلك نجد الفقهاء قد تعسفوا في قراءة النصوص الدينية، ووظفوها لإدانة اليهود وإبعادهم عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي.
إن منطوق الروايات التاريخية يبرز أنه كلما تعاظم دور فقهاء الدولة، اضطهد اليهود، فكل الدول المورية التي اتخذت من الدين مرجعية لها تعرض فيها اليهود لأشكال من التهميش والتمييز، وهنا أعطي بعض الأمثلة عن وضعية اليهود، أميز فيها بين وضعيتهم في دول علا فيها صوت السلطة الزمنية، ودول علا فيها صوت الفقيه.
1: وضعية اليهود في ظل غلبة السلطة الزمنية
تأسس حكم الدول التي علا فيها صوت السلطة الزمنية على مرجعية أساسها توحيد البلاد، ومواجهة الخطر الخارجي المحدق بها، وبذلك كان صوت السياسي فيها يعلو صوت الفقيه، وفي هذا السياق تعايشت الطوائف الدينية، وتساكنت تحت حماية السلطة الزمنية ورعايتها، والأدلة على ذلك كثيرة، ففي عهد الأدارسة "كان يسكن مدينة فاس قبيلتان من زناتة وزواغة وبني يرغثن، وكانوا أهل أهواء مختلفة، منهم على الإسلام، ومنهم على النصرانية، ومنهم على اليهودية، ومنهم على المجوسية، ومنهم بنو يرغثن وكانوا يسكنون بخيامهم بحومة عدوة الأندلس الآن وكان بيت نارهم بالشيبوبة" ، ويذكر صاحب كتاب قضية المهاجرين المسمون اليوم بالبلديين، أن فاس استقبلت خلقاً كثيراً من اليهود في عهد الأدارسة بقوله: "وذلك أنه لما اشترى مولانا إدريس بن إدريس موضع مدينة فاس أمنها الله، وشرع في بنائها، وأمر الناس بالبناء والغراس على أن من بنى موضعاً أو غرس بستاناً قبل استكمال السور عليها فهو له، فرغب الناس في جوار أهل البيت، وقصد إليها خلق كثير من اليهود ممن رغب في العافية، فأنزلهم بناحية إغلان إلى باب حصن سعدون [باب الجيسة الحالي]، وفرض عليهم الجزية في كل سنة ثلاثون ألف دينار، فغرسوا البساتين، وبنوا الديار والحوانيت والرباع، وأرادوا عمارة ذلك، فرتبهم أحسن ترتيب في الإسكان وتعمير الأسواق والاحتراف بالحرف الي تقوم بها المدينة" .
وقد بلغ اليهود من الحظوة عند عامة المسلمين وخاصتهم أن ثار أهل فاس على الأمير يحيى بن محمد بن إدريس نصرة ليهودية، ذلك: "أن يحيى دخل على يهودية في الحمام يقال لها حنة، وقد راودها على نفسها، فتغير عليه أهل فاس، ووثب عليه عبد الرحمن بن سهل الجذامي (...) فأخرجه عن مدينة فاس، فهرب إلى عدوة الأندلسيين، فمات من ليلته" .
وفي عهد المرينيين استفاد اليهود من جو التسامح الذي طبع حكمهم، فظهرت فتوى تحرم قتالهم، وتساويهم في الحقوق مع المسلمين ما لم ينقضوا عهد الذمة، وعدَّت قتالهم حرابة ومن باب السعي في الفساد في الأرض ، كما خصهم سلاطين الدولة المرينية باهتمام بالغ، ففي عام 674ه/1275م/535ⵎ، تدخل السلطان أبو يوسف يعقوب لكف يد عامة فاس عن قتلهم، ونادى مناديه لا يتعرض لهم أحد ، ولا يستبعد أن تكون هذه الفتنة بإيعاز من الفقهاء، لأن اليهود شكلوا طبقة منتجة حظيت باحترام العامة والسلاطين معاً، وقد أدت هذه الوقعة إلى إسلام عدد منهم سموا بالبلديين، وفي هذا الصدد قال صاحب كتاب قضية المهاجرين المسمون اليوم بالبلديين: "وتمهدت الدولة المرينية، وأوقع المسلمون باليهود الوقعة المعلومة العظمى سنة أربع وسبعين وستمائة بسبب أمور أدت إلى استباحة دمائهم وأموالهم، فأسلم في تلك الوقعة من أسلم منهم خوفاً من السيف، ثم كف أبو يوسف العوام عن قتلهم، وأخْذِ أموالهم، وأمر من نجا منهم بسكنى فاس الجديد" .
وبفاس الجديد أسندت إليهم مهام سياسية وإدارية ودبلوماسية، خاصة في عهد عبد الحق آخر سلاطين الدولة المرينية ، وقد رأى بعض الفقهاء في تقريب اليهود ابعاداً لهم، فسعوا إلى تأليب العامة على السلطان عبد الحق، وقد كان أبو فارس عبد العزيز الورياغلي من أبرز الفقهاء الذين قادوا الحملة ضد اليهود والسلطان معاً، إذ استغل شحناء العامة بسبب واقعة ضرب يهودي لامرأة شريفة، فقاد الثورة، قال أحمد بن خالد الناصري: "ثم إن اليهودي عمد إلى امرأة شريفة (...) فانحى عليها بالضرب (...) وسمع الناس ذلك فأعظموه، وتمشت رجالات فاس بعضهم إلى بعض، فاجتمعوا عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي (...) وقالوا له: ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار، وتحكم اليهود في المسلمين، والعبث بهم، حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت، فنجع كلامهم فيه، وللحين أغراهم بالفتك باليهود، وخلع طاعة السلطان عبد الحق، وبيعة الشريف أبي عبد الله الحفيد، فأجابوه إلى ذلك، واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه (...) ثم تقدم الورياكلي بهم إلى فاس الجديد، فصمدوا إلى حارة اليهود، فقتلوهم، واستلبوهم، واصطلموا نعمتهم، واقتسموا أموالهم" .
للإشارة، فموقف الفقيه الورياكلي لم يكن محل إجماع الفقهاء، إذ كان منهم من رفض فعله كالشيخ زروق، إذ: "نقل الثقات أن الشيخ أبا العباس أحمد زروق رحمه الله، كان قد ترك الصلاة خلف الفقيه أبي فارس الورياكلي لما صدر منه في حق السلطان عبد الحق، وكان يقول: لا آمن الغندور على صلاتي يعيبه بذلك، والغندور في لسان المغاربة ذو النخوة والإباية وما أشبه ذلك" .
وفي عهد السعديين، خصص السلطان عبد الله الغالب حياً منعزلاً لليهود بمدينة مراكش ، لا يزال قائماً إلى الآن يسمى ملاحاً، وتوالى بناء الملاحات في كبريات المدن لتوطين اليهود الفارين من بطش المسيحيين بشبه الجزيرة الإيبيرية، وبذلك شكلت بلاد الموريين بالنسبة لهم ملاذاً آمناً، فكثرت أعدادهم في الحواضر والبوادي، فديكو دي طوريس الذي زار بلادنا سنة 953هـ/1546م/806ⵎ، ذكر أن ملاح فاس الجديد يمكنه أن يسع ألف شخص، وأن إجمالي سكان المدينة يبلغ أربعة آلاف ، أي أن اليهود كانوا يشكلون ربع سكان فاس الجديد، وأما مراكش فكان فيها ملاحان يضمان أزيد من ألف نسمة من اليهود الذين طردوا من إسبانيا .
2: اليهود في ظل غلبة السلطة الدينية
اتخذت الدول التي علا فيها صوت الفقهاء مواقف متشددة من اليهود، فالفقهاء كانوا يوظفون نصوصاً دينية لاتخاذ قرارات لخدمة مآرب شخصية؛ فدولة المرابطين التي تعد دولة فقهاء، اتخذت قرارات بإيعاز من الفقهاء، استهدفت اليهود، ومنعتهم من الإقامة في عاصمة الدولة، فـ"كانت اليهود لا تسكن مدينة مراكش عن أمر أميرها علي بن يوسف بن تاشفين، ولا تدخلها إلا نهاراً، وتنصرف منها عشية، وليس دخولهم في النهار إليها إلا لأمور له وخدم تختص به، ومتى عثر على واحد منهم بات فيها استبيح ماله ودمه، فكانوا ينافرون المبيت بها حياطة على أموالهم وأنفسهم" .
ولا شك أن رفض علي بن يوسف بن تاشفين إقامة اليهود بمراكش، كان بإيعاز من فقهاء دولته الذين كان يستشيرهم في جميع أموره، فقد "كان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولى أحداً من قضاته، كان فيما يعهد إليه، ألا يقطع أمراً، ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً" ، وهذا الوضع دفع بعض الفقهاء الثقات إلى العزوف عن الفقه والميل إلى التصوف؛ فعبد العزيز التونسي (489هـ/1096م/356ⵎ) درَّس الناس الفقه، ثم تركه لما رآهم نالوا به الخطط والعمالات، وقال: "صرنا بتعليمنا لهم كبائع السلاح من اللصوص" .
وبخلاف المرابطين سمح الموحدون لليهود بسكنى مراكش، لكننا لا نتوفر على دليل يفيد تخصيص حي منعزل لسكناهم، ولتمييزهم عن باقي سكان المدينة، فرض عليهم يعقوب المنصور زياً خاصاً، وهو "ثياب كحلية، وأكمام مفرطة السعة، تصل إلى قريب من أقدامهم، وبدلاً من العمائم كلوتات على أشنع صورة، كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم" ، كما خضعوا لرقابة صارمة، إذ أُرغموا على ممارسة الشعائر الإسلامية حسبما صرح بذلك عبد الواحد المراكشي بقوله: "ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة، وإنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون في المساجد ويقرئون أولادهم القرءان، جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تُكن صدورهم وتحويه بيوتهم" .
وهنا يظهر أن وضع اليهود تأثر بطبيعية الحكم؛ فإذا تمكنت السلطة الزمنية من الإمساك بزمام الحكم، نعم اليهود بالطمأنينة والسلام، وإذا علا صوت الفقيه اضْطُهد اليهود، فهل كان الفقهاء بفعلهم هذا يستندون إلى الدين أم إلى مصالح النخبة التي كانوا ينتمون إليها؟
إن اليهود هم أمازيغ، اعتنقوا اليهودية قبل دخول الإسلام، وأن الخلاف بينهم وبين المسلمين لم يكن عرقياً، لأنهم ينتمون في الغالب إلى عرق واحد، بل هو خلاف اقتصادي وسياسي، ذلك أن اليهود، عرفوا باحتكارهم للأنشطة الاقتصادية المدرة للربح، فكان ذلك سبباً في سعي الفقهاء إلى إقصائهم عن مراكز القرار السياسي والاقتصادي، متخذين الدين مطية، والشاهد على ذلك فتوى محمد بن عبد الكريم المغيلي المسماة رسالة في اليهود التي انطلق فيها من أن اليهود نقضوا عهد الذمة المبني على الخضوع المطلق للمسلمين، مقابل حمايتهم وضمان أمن عيشهم في البلاد الإسلامية، وألف في ذلك كتاباً من ثلاثة فصول سعى من خلاله إقناع فقهاء عصره لإدانة اليهود، وهذه الفصول هي: فصل فيما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار، وفصل فيما يلزم أهل الذمة والكفار من الجزية والصغار، وفصل فيما عليه يهود هذا الزمان في أكثر البلاد والأوطان من الجرأة والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية والأركان بتولية أرباب الشوكة وخدمة السلطان.
إن أي حديث عن اليهود ينبغي أن يستحضر السياق الموري الخاص، فاليهود أمازيغ، لهم ارتباط روحي ووجداني بوطنهم، وهذا يبدو بجلاء من خلال ارتباط الجالية اليهودية بوطنها الأم، فبداخل كل بيت يهودي تتجلى مظاهر الانتماء إلى الهوية المورية: صور الملوك، والعلم الوطني، والأفرشة المورية، والأطباق المورية، والأغاني المورية، وغيرها من مظاهر الانتماء.
ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.
إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع