الموقع الرسمي للدكتور عبد الخالق كلاب

مغاربة أم موريون؟

الباب الثاني: جلد الذات
الفصل الثالث: مغاربة أم موريون؟
---
عادة ما تنسب الدول إلى الأسر الحاكمة، أو الأصل العرقي، أو الموقع الجغرافي، وفي بعض الحالات تحمل اسم المدينة العاصمة، وقد يختلف اسم الدولة الواحدة من شعب لآخر لاعتبارات خاصة جداً؛ فبلدنا مثلا، يراه المشارقة مغرباً، ويختزله الترك في فاس، وتعتبره باقي شعوب العالم أرضاً [تامورت ⵜⴰⵎⵓⵔⵜ].
إن إطلاق اسم المغرب على بلدنا ينطلق من مركزية مشرقية، فنحن مغرب بالنسبة للمشارقة فقط، ولسنا كذلك بالنسبة لباقي دول العالم، فإذا سلم البعض بصواب التسمية، فهل نحن مغرب بالنسبة للأوربيين والأمريكيين والأفارقة؟ أما إطلاق الأتراك اسم فاس على بلدنا، فذلك راجع إلى أن أول اتصال لهم ببلدنا تم بمدينة فاس، وذلك في سياق دعمهم لأبي حسون الوطاسي في صراعه مع محمد الشيخ السعدي سنة 1549م/809ⵎ، إذ ذكرت المصادر أن الأتراك عندما دخلوا مرتزقة إلى فاس، أعجبتهم، قال صاحب كتاب الدولة السعدية التكمدارتية "ولما رأى الترك محاسن البلاد أعجبتهم، وأخذوا غرتها" ، ولا شك أن ذكرى فاس ظلت راسخة في أذهان الترك، بعدما عاينوا محاسن أهلها، ورقي حضارتها، واستبحار عمرانها، فأطلقوا اسمها على مجموع ترابنا الوطني.
إن التسمية الحالية لبلدنا، تعكس مركزية مشرقية، تعكس رؤية الآخر لنا، وهي الآن بمثابة وثن يصعب تهديمه، لأن بلدنا عرف بهذا الاسم طوال 14 قرناً، وكل انجازاتنا في هذه المدة الطويلة نسبت له وارتبطت به، فهذا الاسم أصبح واقعاً يصعب تجاوزه في الوقت الراهن، خاصة مع وجود نخب مرتبطة أشد الارتباط بالمشرق، غير أنه من الأمانة العلمية تذكير الناس بالاسم الأصيل لبلدنا، فقد ذكر استرابون (تـ24م/-716ⵎ) ذلك بقوله: "هنا يقطن الموروزيون Maurusiens حسب الإغريق، أو الموريون Maures حسب التسمية الرومية والأهلية، قد يتعلق الأمر بشعب ليبي عظيم وغني يفصله مضيق عن إسبانيا" ، فكلمة الموريين هي التسمية المحلية والأهلية بشهادة استرابون، وبذلك فالروميون وجدوا الأهالي يتداولونها، فتبنوها، واستعملوها كما كانت تنطق في بيئتها المحلية.
والحقيقة، أن لهذا الاسم معنى في بيئته المحلية، فـ"ــتامورت" ⵜⴰⵎⵓⵔⵜ تعني الأرض، أمُر ن أكُشُ / أومُرُ ن أوأكُوش تعني أرض الله، وآيت ايمور تعني أبناء الأرض، وبذلك فكلمة أًمُرْ توحي إلى ارتباط الموري بأرضه، وهذه ظاهرة نعيشها اليوم، فالموري أكثر ارتباطاً بأرضه وأشد دفاعاً عنها بشهادة الغزاة أنفسهم، فالمقيم العام الفرنسي ستيغ: "اعترف (...) في كتابه الذي وضعه عن المغرب بأن المراكشي متمسك بأرضه إلى حد الموت، وأنه يقاوم من أجلها أكثر من الجزائري والتونسي" ، وبذلك، فارتباط الموري بأرضه، هو ما أعطانا مناعة ضد كل غزو خارجي، وساهم في تأسيس واحدة من أقدم دول العالم وأعرقها.
لا أفهم موقف البعض الرافض لتداول كلمة الأرض المورية، وإقبالهم على كلمة المغرب، واستماتتهم في الدفاع عنها، علماً أن الأولى أصيلة ولها دلالة في بيئتها المحلية، في حين أن الثانية دخيلة أطلقها الآخر علينا، وتحمل معنى الالحاق والتبعية.
 ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.

إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع

دعم الموقع عبر PayPal

إرسال تعليق

أحدث أقدم