الباب الثاني: جلد الذات
الفصل الأول: فتح أم غزو؟
---
تكشف الروايات التاريخية بشكل جلي، أن ما قام به العرب في أرضنا كان غزواً، والغريب في الأمر هو أن الإخباريين العرب، كانوا يرون في ذلك ممارسة عادية ومشروعة، فكان الإخباري لا يجد حرجاً في توظيف عبارات: الغزو، والسبي، والقتل، والتفاخر بأعمال شنيعة، ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن عبد الحكم أثناء حديثه عن موسى بن نصير بقوله: "فلما دنا من طنجة بث السرايا، فانتهت خيله إلى السوس الأدنى فوطئهم وسباهم" .
والأكثر غرابة هو أن يعيد الإخباريون "المغاربة" توظيف نفس المعجم، وكأنهم ينتمون إلى المشرق، فيسيئون بذلك إلى تاريخهم وذواتهم، فابن عذاري رأى في غزوات موسى بن نصير فتحاً مبيناً، رغم ما رافقها من أعمال شنيعة، بقوله: "ثم خرج موسى بن نصير رحمه الله غازياً من إفريقية إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب خوفاً من العرب، فتتبعهم، وقتلهم قتلاً ذريعاً، وسبى منهم سبياً كثيراً حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة" ، ولم ير ابن خلدون حرجاً في وضع روايات تبرز العنف الذي مارسه موسى بن نصير على الموريين، بقوله: "ثم غزا طنجة، وافتتح درعة وصحراء تافيلالت، وأرسل ابنه إلى السوس، وأذعن البربر لسلطانه ودولته، وأخذ رهائن المصامدة، وأنزلهم بطنجة، وذلك سنة ثمان وثمانين" .
وقد رافق الغزو حملات سبي، انتهى بسببها إلى المشرق عدد كثير من النساء والولدان، وقد بلغ السبي من الكثرة، ما أثار الاستغراب، إذ أصبحت أخباره حديث مجامع الناس في المشرق، فقد روى ابن عبد الحكم ذلك بقوله: "أن موسى بن نصير حين غزا المغرب، بعث ابنه مروان على جيش، فأصاب من السبي مائة ألف، وبعث ابن أخيه في جيش آخر، فأصاب مائة ألف، فقيل لليث بن سعد من هم؟ فقال البربر، فلما أتى كتابه بذلك، قال الناس ابن نصير والله أحمق، من أين له عشرون ألفاً يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس، فبلغ ذلك موسى بن نصير، فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفاً" .
وقد كانت أعمال الغزو والسبي بتوجيه من خلفاء بني أمية، حتى إنهم كانوا يُقَيِّمُون أداء الولاة وصلاحيتهم بما أنهوه من غنائم وسبايا إلى دار الخلافة، فكان لا يحظى عندهم بالمنزلة الرفيعة إلا من كان جماعاً للأموال، فكان عبد الملك بن مروان غاضباً على موسى بن نصير حتى تَرَضَّاه بالغنائم، على حد قول ابن عبد الحكم: "وواتر [موسى بن نصير] فتوحه، وبعث بغنائمه، وأنهاها عبد العزيز إلى عبد الملك، فسكن ذلك بعض ما كان يجد على موسى (...) واستخلف الوليد بن عبد الملك، فتواترت فتوح المغرب على الوليد من قبل موسى بن نصير، فعظمت منزلة موسى عنده، واشتد عجبه" .
ولإضفاء طابع المشروعية على الأعمال التي ارتكبها هؤلاء الغزاة، روجت كتب الأخبار معلومات عجائبية لا يصدقها عقل، ومن كثرة تداولها أصبحت بمثابة أوثان تاريخية، يُرمى كل من شكك في صحتها بنعوت قاسية، ومن جملة هذه الأخبار ما رواه ابن عذاري من أخبار عقبة بن نافع الفهري بقوله: "وفي سنة إحدى وخمسين شرع عقبة رضي الله عنه في ابتداء بناء مدينة القيروان، وأجابه العرب إلى ذلك، ثم قالوا: إنك أمرتنا بالبناء في شعارى وغياض لا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك، وكان في عسكره ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائرهم من التابعين، فدعا الله سبحانه وأصحابه يؤمنون على دعائه، ومضى إلى السبخة وواديها، ونادى: أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارحلوا عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد هذا قتلناه، فنظر الناس بعد ذلك أمر معجب، من أن السباع تخرج من الشعرى، وهي تحمل أشبالها سمعاً وطاعة، والذئب يحمل جروه، والحية تحمل أولادها، ونادى في الناس: كفوا عنهم، حتى يرحلوا عنها، فلما خرج ما فيها من الوحش والسباع والهوام، والناس ينظرون إليها، حتى أوجعهم حر الشمس، فلما لم يروا منها شيئا، دخلوا، فأمرهم أن يقطعوا الشجر، فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين عاماً لا يرون بها حية، ولا عقرباً، ولا سبعاً" .
سعى بعض الإخباريين إلى إضفاء الشرعية على الأعمال التي قام بها عقبة، وذلك بترويج روايات تظهره في ثياب المسلم الزاهد المجاهد، في حين أن الواقع خلاف ذلك، فقد روى ابن عبد الحكم ما يفيد أن عقبة كان فظاً غليظاً، أساء السيرة، ونكل بالأمازيغ، وأهان كبراءهم وكبرياءهم، بقوله: "ثم سار [عقبة] بنفسه ومن خف معه أربع مائة فارس وأربع مائة بعير وثماني مائة قربة، حتى قدم ودان، فافتتحها، وأخذ ملكهم فجدع أذنه، فقال: لم فعلت هذا بي، وقد عاهدتني؟ فقال عقبة، فعلت هذا بك أدباً لك، إذا أمسست أذنك ذكرته فلم تحارب العرب، واستخرج منهم ما كان بسر فرضه عليهم ثلاثمائة رأس ستين رأساً (...) ثم سألهم عقبة هل من ورائكم أحد؟ فقيل له جرمة، وهي مدينة فزان العظمى، فسار إليها ثماني ليالي من ودان، فلما دنا منها، أرسل فدعاهم إلى الإسلام فأجابوا، فنزل منها على ستة أميال، وخرج ملكهم يريد عقبة، وأرسل عقبة خيلاً، فحالت بين ملكهم وبين موكبه، فأمشوه راجلاً حتى أتى عقبة وقد لغب، وكان ناعماً، فجعل يبصق الدم، فقال له لم فعلت هذا بي وقد أتيتك طائعاً؟ فقال عقبة: أدباً لك إذا ذكرته لم تحارب العرب، وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبداً" .
وقد يحاول البعض عبثاً القول، بأن ابن عبد الحكم الذي أخبر بتنكيل عقبة بزعماء الأمازيغ عاش خلال العصر العباسي، ليخلص إلى تحامله على التاريخ الأموي، لكن هناك روايات كتبت بعد الحقبة العباسية، تعضد ما جاء به ابن عبد الحكم، خاصة تلك التي تحدثت عن تعامل عقبة مع أبي المهاجر دينار وأكسيل ⴰⴽⵙⵉⵍ، وفي هذا الصدد قال ابن عذاري: "ومضى [عقبة] حَنِقاً على أبي المهاجر حتى قدم إفريقية، فأوثق أبا المهاجر في الحديد، وأمر بتخريب مدينته التي بناها، ورد الناس إلى القيروان" ، وقال بخصوص إذلال عقبة لأكسيل وهو عزيز قومه: "وأُتي عقبة يوماً بذود غنم، فأمر بذبحها للعسكر، وأمر كسيلة أن يسلخ منها مع السلاخين، فقال كسيلة: أصلح الله الأمير، هؤلاء فتياني وعبيدي يكفوني، فقال عقبة: لا، فقام كسيلة مغضباً، فكان كلما دحس، مسح بلحيته، فجعل العرب يمرون به، فيقولون: يا بربري ما تصنع؟ فيقول: هذا جيد للشعر، حتى مر به شيخ من العرب، فقال لهم: كلا إن البربري يتوعدكم، فقال أبو المهاجر لعقبة: بئس ما صنعت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألف جبابرة العرب، وأنت تأتي إلى رجل جبار في قومه، في دار عزه، قريب العهد بالشرك، فتهينه، فتهاون عقبة بكلامه" .
من خلال هذه الروايات يتبين أن عقبة كان غازياً، أساء معاملة كل من وجد في طريقه، وذلك بشهادة الإخباريين، وما يؤسف له حقاً أن نجد ابن عذاري، وهو مؤرخ موري يزكي أعمال عقبة، ويدعوه بالمجاب أي مجاب الدعوة، ولا يرى حرجاً في تبرير غزواته وإلصاق بعض النعوت القبيحة والممارسات الشنيعة بالأمازيغ، كقوله أثناء حديثه عن غزوات عقبة المزعومة: "وغزوته أيضاً إلى طنجة، وذلك أنه لما توالت الهزائم على نصارى إفريقية وبربرها، وكثر القتل فيهم حتى كاد يستأصلهم، لجأ من بقي منهم إلى الحصون والمعاقل، فلم يبرحوها، فكره المقام على محاصرتهم، فيفوته الغزو وقتل غيرهم من طوائف الكفار، إذ كانت أمم المغرب من نصارى وبرابر لا يحصون كثرة وانتشاراً، ولا يكاثرون بالرمل والحصا، فترك أهل إفريقية متحصنين بحصونهم، وأوغل في الغرب، يقتل ويأسر أمة بعد أمة، وطائفة بعد طائفة، بائعاً نفسه من مولاه، لا تروعه كثرة، ولا تعتريه هو ومن معه سآمة ولا قترة، حتى صار بأحواز طنجة، وكان بها ملك اسمه يليان، يملك منها إلى ساحل المجاز بسبتة، وكان من أشرف ملوك الروم وأعاظمهم، وذوي العقل والدهاء فيهم، فلما قاربه، وجه إليه أرساله، مستلطفاً، وبعث له هدية عظيمة، وسأل منه المسالمة، وأن ينزل على حكمه، فقبل منه، واجتمع به، وسأله عن الأندلس، فعظم عليه أمرها، وقال له: قد تركت الروم وراء ظهرك، وما أمامك إلا البربر، وهم مثل البهائم، لم يدخلوا في دين نصرانية ولا غيرها، وهم يأكلون الجيف، ويأكلون مواشيهم، ويشربون دماءها من أعناقها، فقد كفروا بالله العظيم، فلا يعرفونه، ومعظمهم من المصامدة" .
المثير للاستغراب هنا أن ابن عذاري روج أخباراً غريبة، دون ذكر مصادره، علماً أنه يبعد عن زمن غزوات عقبة بسبعة قرون، قد يفهم القارئ النبيه العالم بالسياق أن ابن عذاري الذي عاش في كنف الدولة المرينية الزناتية، أراد إرضاء صاحب نعمته بذم خصومه، لأن الدولة المرينية الزناتية تأسست على أنقاض الدولة الموحدية المصمودية، وهذا ما دعاه إلى ذم المصامدة على الخصوص، وادعاء أنهم كفار، يأكلون الجيف، ويشربون دماء مواشيهم.
روى ابن عذاري أيضاً أن عقبة وصل إلى أحواز طنجة، وانتهى إلى السوس الأقصى، في رواية غريبة لا يصدقها عقل، سعى من خلالها إلى إظهار عقبة باعتباره فاتحاً، وولياً صالحاً، مجاب الدعوة، وفي مقابل ذلك أظهر الموريين ككائنات سلبية، غير فاعلة، عاجزة أمام قلة قليلة من العرب، بقوله: "وغزوته أيضاً للسوس الأقصى، فاجتمع به البربر في أمم لا تحصى، ولا تكاثر بالحصى، فقاتلهم قتالاً ما سمع أهل المغرب بمثله قط، ثم هزمهم، وقتل منهم خلقاً عظيماً، وأصاب منهم نساء لم ير الناس في الدنيا مثلهن، قيل: إن الجارية منهن كانت تبلغ بالمشرق ألف دينار أو نحوها، وهرب الناس أمامه، لا يدافعه أحد، ولا يقوم له، تأييداً من الله لأوليائه، وسار حتى بلغ البحر المحيط، فدخل فيه، حتى بلغ الماء بطن فرسه، ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: يا رب لولا أن البحر منعني، لمضيت في البلاد إلى مسلك ذي القرنين، مدافعاً عن دينك، مقاتلا من كفر بك" .
فهل وصل عقبة إلى السوس فعلاً؟ وهل المقصود بالسوس هو السوس الحالي؟ تحدثت كتب الأخبار عن المجال المكتشف من طرف الأمويين، فميزت فيه بين ثلاثة مجالات، هي: طنجة وهو مجال يوافق طنجة ونواحيها، والسوس الأدنى وهو تامسنا، والسوس الأقصى الذي يوافق السوس حالياً، وفي هذا الشأن قال ابن عذاري المراكشي: "ويليها [بلاد الزاب] بلاد المغرب، وهي بلاد طنجة، وحدها مدينة سلا، وهي آخر المغرب، وإذا جزت سلا، وأخذت إلى ناحية الجنوب، تركت مغرب الشمس يمنة، وأخذت منها قافلاً إلى القبلة، فتسمى تلك البلاد بلاد تامسنا، ويقال لها أيضاً بلاد السوس الأدنى، وحدها جبل درن، وإذا جزت هذا الجبل، فعن يمينك بلاد السوس الأقصى، ويقال لها بلاد ماسة، ويتصل السوس الأقصى ببلاد الصحراء إلى السودان، وهي بلاد الزنج" .
هناك من يشكك في الروايات القائلة بدخول عقبة إلى بلادنا، فالأستاذ عبد الله العروي طرح السؤال الآتي: هل دخل عقبة المغرب الأقصى أم لا؟ وأجاب قائلاً: "لا يستبعد أن يكون عقبة قد أرسل بعض السرايا إلى ما وراء نهر ملوية، لكن لا يوجد دليل قاطع على كونه استولى على المنطقة فعلاً" ، وقد روى ابن عبد الحكم (ت 238هـ/854م/114ⵎ) بطريقة غرائبية وصول عقبة إلى السوس، واقتحامه دون مقاومة أهله، الأمر الذي يضعف الرواية ويشكك في صحتها، قال ابن عبد الحكم: "فخرج عقبة بن نافع سريعاً بحنقه على أبي المهاجر حتى قدم افريقيا، فأوثق أبا المهاجر في وثاق شديد، وأساء عزله، وغزا به معه إلى السوس وهو في حديد، وأهل السوس بطن من بطون البربر يقال لهم انبية، فجول في بلادهم لا يعرض له أحد، ولا يقاتله (...) فلما انتهى عقبة إلى البحر، أقحم فرسه فيه حتى بلغ نحره، ثم قال اللهم إني أشهدك أن لا مجاز ولو وجدت مجازاً لجزت" .
اجتهد ابن خلدون (ت 808هـ/1406م/666ⵎ)، فأضاف إلى رواية ابن عبد الحكم أموراً لم يذكرها، بقوله: "فسار عقبة، وفتح، وغنم، وسبى، وأثخن فيهم، وانتهى إلى السوس، وقاتل مسوفة أهل اللثام وراء السوس، ووقف على البحر، وقفل راجعاً" ، وأضاف إليها أحمد بن القاضي المكناسي (تـ1025هـ/1616م/876ⵎ) أموراً بقوله: "ولى يزيد بن معاوية عقبة بن نافع الفهري على بلاد المغرب في سنة اثنتين وستين من الهجرة (...) فاستفتح بعضه إلى أن بلغ البحر الأعظم حيث ماسة، وأدخل فيه قوائم فرسه، ثم جعل يقول: "وعليكم السلام، فقال له أصحابه على من تسلم يا ولي الله؟ فقال لهم أن قوم يونس سلموا علي، ولولا البحر لأريتكم إياهم" ، وأضاف أبو القاسم الزياني (تـ1249هـ/1833م/1093ⵎ) للرواية ما نصه: "وهو الذي فتح المغرب الأقصى، وبلغ السوس والفائجة، ورجع بالغنائم على طريق الصحراء، ولما بلغ الزاب اعترضته طوائف البربر" .
من خلال الروايات التي تحدثت عن حملة عقبة بن نافع الفهري، يلاحظ أنه تم إيراد روايات مكيفة، أخضعها الإخباريون إلى منطق عصرهم ومقتضياته، فابن القاضي تحدث عن وصول عقبة إلى ماسة، لأنها مهد الدولة السعدية التي ينتمي إليها، والزياني الذي عاش في كنف الدولة العلوية، تحدث عن عودة عقبة من طريق الفائجة التي تقع غير بعيد عن مهد الدولة العلوية، في حين أن رواية ابن عبد الحكم الأقرب زمنياً إلى وقائع الغزو الأموي، لم تتحدث عن السوس الأقصى والصحراء، بل تحدثت عن السوس، والمقصود بالسوس آنذاك هو منطقة تامسنا، التي يستبعد أن يكون عقبة قد بلغها.
وإذا سلَّمنا بأن عقبة بن نافع لم يصل إلى بلادنا، فما المناطق التي انتهى إليها موسى بن نصير؟ وهل ما قام به كان فتحاً أم كان غزواً؟ قال عبد الله العروي "هل وصل ابنا موسى إلى سوس الأقصى، كما يقال عادة؟ هذا أمر مشكوك فيه" ، إن ابن عبد الحكم الذي يعد من بين أقدم من أرخ للغزو الأموي، اكتفى بالقول: "أن موسى بن نصير حين غزا المغرب، بعث ابنه مروان على جيش، فأصاب من السبي مائة ألف" ، أما الوجهة التي انتهى إليها موسى بن نصير فهي طنجة وناحيتها، بدليل قول ابن عبد الحكم: "وجه موسى بن نصير ابنه مروان بن موسى إلى طنجة مرابطاً على ساحلها، فجهد هو وأصحابه، فانصرف، وخلف على جيشه طارق بن عمرو (...) ويقال إن موسى بن نصير خرج من إفريقيا غازياً إلى طنجة، وهو أول من نزل طنجة من الولاة، وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة، فلما دنا من طنجة بث السرايا، فانتهت خيله إلى السوس الأدنى، فوطئهم، وسباهم، وأدوا إليه الطاعة، وولى عليهم والياً أحسن فيهم السيرة" .
إذاً، حسب رواية ابن عبد الحكم، فموسى بن نصير لم يتجاوز السوس الأدنى أي المجال المعروف بتامسنا حيث تأسست إمارة برغواطة، والغريب في الأمر، هو أن ابن عذاري المراكشي الذي عاش في القرن السابع الموري حَمَّلَ رواية ابن عبد الحكم ما لا تحتمل، إذ جعل السوس الأدنى هو بلاد درعة، قائلاً: "ثم خرج موسى بن نصير رحمه الله غازياً من إفريقية إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب خوفاً من العرب، فتتبعهم، وقتلهم قتلاً ذريعاً، وسبى منهم سبياً كثيراً حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة، فلما رأى البربر ما نزل بهم، استأمنوا وأطاعوا، فولى عليهم والياً" ، أما ابن خلدون، فَحَمَّلَ هو الآخر الرواية أكثر مما تحتمل قائلا: "ثم غزا [موسى بن نصير] طنجة، وافتتح درعة وصحراء تافيلالت، وأرسل ابنه إلى السوس، وأذعن البربر لسلطانه ودولته، وأخذ رهائن المصامدة، وأنزلهم بطنجة، وذلك سنة ثمان وثمانين" .
وهكذا نخلص إلى أن الجيش الأموي لم يصل إلى السوس الأقصى كما زعم الإخباريون المتأخرون زمنياً، إذ لم يتجاوز طنجة وأطراف السوس الأدنى حيث موطن برغواطة، وهذه بالضبط هي المجالات التي ثارت على الوجود الأموي آنذاك؛ فثورة 122هـ/740م/1ⵎ، التي تكللت بالنجاح بعد سنة من اندلاعها، شارك فيها ميسرة المطغري قائد جند طنجة، وطريف البرغواطي قائد جند السوس الأدنى، وبذلك ظلت منطقة السوس الأقصى بعيدة عن مسرح أحداث الغزو، والمؤكد أن إسلامها تم في مرحلة لاحقة.
ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.
إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع