الباب الأول: أصالة الذات المورية
الفصل الثالث: نحن موريون ولسنا وافدين
---
سادت في العقود الأخيرة نظرية الهجرات السكانية، التي زعم روادها أن الهجرات انطلقت من الشرق في اتجاه الغرب، وباعتبارها نظرية تفسيرية، فقد اعتمدها المؤرخون في البحث عن أصول القبائل، فانتهوا إلى نسب كل قبائل الغرب إلى أصول شرقية، فكلما تعرضوا للحديث عن قبيلة، بحثوا لها عن أصل من خارج التربة المورية، وهكذا اعتبروا صنهاجة قبيلة يمنية حميرية، وانتقوا الروايات التي تزعم أن موطن زناتة كان خارج البلاد المورية، وادعى البعض أن أرضنا كانت خلاء عمرتها شعوب مهاجرة، فطفقوا يبحثون عن أصول القبائل المورية، فزعم بعضهم أن أصولنا آسيوية، وزعم آخرون أننا أوربيون، وقال آخرون أننا أخلاط من أقوام شتى شكلت القاعدة الصلبة للمجتمع "المغربي".
اعلم أعزك الله أن بلدنا اجتمع فيه من القبائل الأمازيغية ما تفرق في باقي بلدان شمال إفريقيا، هذه القبائل تفرعت عن عصبيات كبرى منها: صنهاجة ومصمودة وزناتة، إن اجتماع العصبيات الأمازيغية الكبرى في بلدنا له دلالة، مفادها أن الهجرات السكانية كانت تنطلق من الغرب في اتجاه الشرق عكس ما هو متداول، وبذلك فالأمازيغ أصولهم الأولى كانت في بلادنا قبل أن ينتشروا في باقي أقطار شمال إفريقيا وصولاً إلى شرقها، ومن المؤشرات الدالة على ذلك اكتشاف آثار لأنشطة بشرية منذ زمن مبكر؛ فالأبحاث الأثرية الأخيرة كشفت عن وجود أقدم جمجمة لإنسان عاقل بجبل إيغود يرجع تاريخها إلى 315 ألف سنة، كما كشفت عن مهارة الإنسان الذي استوطن هذا المجال، إذ تم الكشف عن وجود حلي بمغارة بيزمون بالقرب من الصويرة يرجع تاريخها إلى حوالي 150 ألف سنة، بالإضافة إلى اكتشاف جمجمة بمغارة تافوغالت أجريت عليها أول عملية جراحية ناجحة في تاريخ البشرية يرجع تاريخ إجرائها إلى حوالي 15 ألف سنة.
وأمام هذه الحقائق العلمية اليقينية لا يزال الناس يتمسكون بأخبار ظنية، ويزعمون أن قبائلنا وافدة، مستدلين بروايات لم يفهموا سياق وضعها، منها رواية نقلها ابن خلدون عن أبي عمر بن عبد البر، تدعي فيها طوائف من "البربر" أنهم من ولد النعمان بن حمير بن سبأ، تقول الرواية "أن النعمان بن حمير بن سبأ كان ملك زمانه في الفترة، وأنه استدعى أبناءه، وقال لهم: أريد أن أبعث منكم للمغرب من يعمره (...)، وأنه بعث منهم لمت أبا لمتونة، ومسفوا أبا مسوفة، ومرطا أبا هسكورة، وأصناك أبا صنهاجة، ولمط أبا لمطة، وإيلان أبا هيلانة، فنزل بعضهم بجبل درن، وبعضهم بالسوس وبعضهم بدرعة، ونزل لمط عند كزول وتزوج ابنته، ونزل جانا وهو أبو زناتة بوادي شلف، ونزل بنو ورتجين ومغراو بأطراف إفريقية من جهة الغرب، ونزل مقرونك بمقربة من طنجة" .
أورد ابن خلدون في نهاية كلامه عن رواية ابن عبد البر، رواية أخرى أنكر فيها صحة الأولى بقوله: "والحكاية أنكرها أبو عمرو بن عبد البر وأبو محمد بن حزم" ، لكن البعض لا يزال يتمسك بمرويات أنكر الإخباريون صحتها، وأمام هذه المرويات التي لم يقدم أصحابها أدلة عقلية تؤكد صحتها، وجب علينا إعادة قراءة ما كتب بخصوص أصل القبائل المورية، والإجابة عن السؤال الآتي: هل قبائلنا مورية أم وافدة؟
وتعد زناتة من القبائل المورية التي جرى نسبها إلى غير مجالها الأصلي، فهذا ابن عذاري المراكشي الذي عاش في القرن السابع الموري اختلط عليه الأمر، فنسب الجيل الأول من زناتة التي أقامت إمارات في بلادنا خلال القرنين الثالت والرابع الموريين إلى الشرق، وهو بذلك اعتقد أنه يتحدث عن بعض قبائل زناتة الجيل الثاني، فقال متحدثاً عن صراع المرابطين مع زناتة مغراوة وبني يفرن: "إلى أن شاع خروج لمتونة من الصحراء واستيلائهم على بلاد المصامدة (...) وخلعهم لملوكهم وناموس عدلهم، ودخل عبد الله بن ياسين مدينة أغمات وما يليها، فخافت زناتة، وأجفلت عن جهة الشرق حيث مستقرها" .
إن الفكرة التي تستقر في ذهن القارئ لرواية ابن عذاري هي أن زناتة مغراوة وبني يفرن أصلها من الشرق، لكن إذا ما استحضر سياق كلام الراوي، فإنه سيكتشف بسهولة أنه تأثر بأخبار انتشار زناتة بني مرين في شرق البلاد قبل تأسيسهم للدولة المرينية التي ينتمي هو نفسه إليها، فَنَسَبَ أصول زناتة مجتمعة إلى شرق البلاد المورية، لكن إذا ما عدنا إلى الروايات التاريخية التي سبقت ابن عذاري زمنياً، فإننا نجد الإخباريين تحدثوا عن انتشار زناتة في تامسنا وغيرها من المناطق، إذ كانت من القبائل التي شاركت في إقامة إمارتي برغواطة وأوربة قبل أن تتمكن من تأسيس إمارات لها خلال القرن الثالث الموري.
فهذا أبو عبيد الله البكري تحدث عن زناتة باعتبارها إحدى القبائل المنضوية في اتحادية برغواطة، إذ قال: "احتل طريف ببلد تامسنى، وكان إذ ذاك ملكاً لزناتة وزواغة، فقدمه البربر على أنفسهم، وولى أمرهم" ، وكانت زناتة حسب صاحب كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار من القبائل التي استوطنت تامسنا، بقوله: "دخل بلاد تامسنا رجل اسمه صالح بن طريف (...)، فدخل إلى بلاد تامسنا، فوجد فيها زناتة" ، وكذلك نجد زناتة من بين القبائل التي بايعت إدريس الأول، قال ابن أبي زرع: "بويع بمدينة وليلي يوم الجمعة الرابع من شهر رمضان المعظم سنة اثنين وسبعين ومئة [06 فبراير 789م/49ⵎ]، وكان أول من بايعه قبائل أوربة (...)، ثم بعد ذلك أتته قبائل زناتة وأصناف قبائل البربر وغياثة ونفزة ومكناسة وغمارة، فبايعوه، ودخلوا في طاعته" ، إصافة إلى ذلك كانت زناتة من القبائل التي سكنت مدينة فاس زمن حكم الأدارسة بدليل قول ابن أبي زرع الفاسي: "كان يسكن مدينة فاس قبيلتان من زناتة وزواغة وبني يرغثن" .
وقد تمكن الجيل الأول من زناتة الذي تكون من مغراوة وبني يفرن من تأسيس مجموعة من الإمارات، أدالت حكم الأدارسة بفاس وبني مدرار بسجلماسة، فسيطرت بذلك على حواضر البلاد، وأحكمت مراقبتها للطرق التجارية، وقد تأتى لها ذلك بعد تمكنها من القضاء على الخطر الفاطمي، وذلك على إثر انتصار زيري بن عطية الزناتي المغراوي على جيش المنصور بن أبي الفتوح عامل الفاطميين على إفريقية، وفي هذا الصدد قال ابن عذاري متحدثاً عن المعركة الفاصلة التي أقصى فيها زيري بن عطية المغراوي الفاطميين عن بلدنا: "وفيها [374هـ/984م/244ⵎ] أعطى المنصور لأخيه يطوفت العساكر، وجهه إلى مدينتي فاس وسجلماسة، يطلب ردهما ورد تلك البلاد الغربية، إذ كانت خرجت عن طاعة صنهاجة عند وفاة أبي الفتوح، فوصل إلى مدينة فاس، وكان بها زيزي بن عطية الزناتي الملقب بالقرطاس، فلما أحس بوفادة يطوفت بن أبي الفتوح، عاجل بالخروج إليه والهجوم عليه، فقاتله قتالاً شديداً حتى انهزم يطوفت، وظفرت زناتة بصنهاجة، فاتبعوهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسروا آخرين، وهرب الباقون إلى تيهرت" ، وبعد هذه المعركة الفاصلة، وضعت زناتة حداً للهجمات العسكرية التي كانت تشنها صنهاجة الزيرية على زناتة المورية لفائدة الفاطميين، وهذا ما عبر عنه ابن عذاري بقوله: "أقصى المنصور بعدها عن غزو المغرب وزناتة، واستقل به ابن عطية وابن خزرون ويدر" .
ويرجع الفضل لزيري بن عطية الزناتي المغراوي في تحصين البلاد المورية من الخطر الفاطمي الزاحف من الشرق، وكذلك في تأسيس مدينة وجدة عام 384هـ/994م/254ⵎ، إذ "بنى مدينة وجدة، وشيد سورها وقصبتها، وركب أبوابها، وسكنها بـأهله وحشمه، ونقل إليها أمواله وذخائره، وجعلها قاعدة ودار ملكه لكونها واسطة بلاده" ، وزناتة أيضا هي التي أضعفت إمارة برغواطة على حد قول أبي عبيد الله البكري: "ولم تزل برغواطة في بلادها معلنة بدينها وبنو صالح بن طريف ملوكها إلى أن قام فيهم الأمير تميم اليفرني، وذلك بعد عشرين وأربعمائة من الهجرة، فغلبهم على بلادهم، وسباهم، وجلا من بقي منهم، واستوطن ديارهم، وانقطع أمرهم، وعفا أثرهم" ، وقد أفل نجم زناتة بعد قضاء المرابطين على إماراتهم خلال القرن الرابع الموري، وبحلول القرن السادس الموري، ظهرت زناتة الجيل الثاني، التي نجحت في تأسيس الدولة المرينية.
ومع ذلك، فالبعض يزعم أن بني مرين قدموا من المغربين الأدنى والأوسط، في حين أن الروايات التاريخية تفند هذه المزاعم؛ فالمقريزي قال: "أن بني مرين من شعوب بني واسين من زناتة، كانوا يسكنون القفر من فنكيك إلى سجلماسة إلى ملوية، وهم ثمانية بطون: بنو حمامة وبنو عسكر وبنو بيعين وبنو تَنَالُفْنت وبنو ونكاسن وبنو ورتاجن وبنو وطاس" ، وابن خلدون أيضاً قال: "قد ذكرنا أن بني مرين هؤلاء من شعوب بني واسين، وذكرنا نسب واسين في زناتة (...)، وبقي هذا الحي من بني مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية، وربما يتخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب" .
فالمقريزي حدد موطن زناتة في المجال الممتد من ملوية إلى سجلماسة، وأضاف أنهم كانوا يتخطون إلى بلاد الزاب أي الجزائر حالياً، وهذا معناه أن موطن الجيل الثاني من زناتة هو البلاد المورية، وأن الزاب هو مجال انتجاع لا موطن استقرار، وبذلك، فزناتة قبيلة مورية فاعلة؛ تمكن جيلها الأول المكون من مغراوة وبني يفرن من وضع حد للمد الفاطمي، وأسس إمارات خلال القرنين الثالث والرابع الموريين، كما أن زناتة الجيل الثاني التي تزعمها بنو مرين تمكنت من إعادة توحيد البلاد بعد انهيار حكومة الموحدين، وضمنت للدولة استمراريتها.
وزعموا أيضا أن هوارة قبيلة عربية قدمت من خارج المجال الموري، بدعوى أن الهواريين الآن لا يتكلمون بالأمازيغية، وأن أصل تسميتهم بهوارة، هو أن أباهم تهور في جنوب القيروان حسبما أورد ذلك ابن خلدون بقوله: "وإنما سموا هوارة لأن أباهم المشهور لما جال في البلاد، ووقع بالمغرب بقبلة القيروان من بلاد إفريقية، قال لقد تهورت في البلاد، فسموا هوارة بذلك، والله أعلم" ، وهذا ادعاء باطل ووهم خالص، فابن خلدون نفسه ذكر أن هوارة أمازيغية من بطون البرانس بقوله: "وهوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب والبربر، ولد هوار بن أوزيغ بن برنس" ، وأضاف: "قالوا والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمة، وهي هوارة وزناتة، وضرية، ومغيلة، وزيحوحة، ونفزة، وكتامة، ولواتة، وغمارة، ومصمودة، وصدينة، ويزدران، ودنجين، وصنهاجة، ومجكسة، وواركلان، وغيرهم" ، وقد بلغوا من الكثرة والانتشار ما جعل ابن خلدون يقول: "ومن قبائل هوارة بالمغرب أمم كثيرة في مواطن من أعمال تعرف بهم، وضواعن شاوية تنتجع لمسرحها نواحيها" .
وقد كانت تامسنا من المجالات التي استوطنتها هوارة مستفيدة من تحالفها مع زناتة بني مرين، وذلك بعد طرد الأعراب الذين وطنهم الموحدون بالمجال المذكور، وقد أشار الحسن الوزان إلى هذا بقوله: "ظلت تامسنا مهجورة مائة وثمانين سنة إلى الوقت الذي رجع فيه المنصور من مملكة تونس، وصحب معه بعض الفرق من قبائل الأعراب مع رؤسائهم وأسكنهم تامسنا، فمكثوا فيها خمسين عاماً إلى أن ذهب الملك عن آل المنصور، وكان سقوط هذه الأسرة كارثة عظمى على الأعراب الذين وقعوا في فقر مدقع، وطردهم ملوك بني مرين من هذا الإقليم، وأعطوه لقبائل زناتة وهوارة جزاء لما لقوه منهم من مناصرة، لأنهم كانوا جميعاً يؤازرونهم ضد ملوك مراكش الموحدين، وهكذا أصبح الزناتيون والهواريون يتصرفون في هذا الإقليم، وتكاثروا فيه حتى إنهم اليوم، وربما كان ذلك منذ مائة سنة يخيفون ملوك فاس ويرعدون فرائصهم، إذ يقدر أن عددهم يصل إلى ستين ألف فارس ومائتي ألف راجل" .
ولم تسلم من دعواهم الباطلة إلا قبائل مصمودة المورية، التي لا توجد في مناطق أخرى من شمال إفريقيا، وهذا مؤشر دال على أنها لم تفد من مجال آخر، بل هي وليدة التربة المورية، وقد ذكر ابن خلدون المصامدة أثناء حديثه عن غمارة ووصف مجال سكناهم، بقوله: "ويتبين لكم أنهم من المصامدة، بقاء هذا النسب المحيط سمة لبعض شعوبهم، يعرفون بمصمودة، ساكنين ما بين سبتة وطنجة، وإليهم ينسب قصر المجاز الذي يعبر منه الخليج البحري إلى بلاد طريف، ويعضده أيضا اتصال مواطنهم بمواطن برغواطة من شعوب المصامدة بريف البحر الغربي وهو المحيط (...) من هنالك تتصل بهم مواطن برغواطة ودوكالة إلى قبائل درن من المصامدة فما وراءها من بلاد القبلة، فالمصامدة هم أهل الجبال بالمغرب الأقصى إلا قليلاً منها وغيرهم في البسائط، ولم تزل غمارة هؤلاء بمواطنهم هذه من لدن الفتح، ولم يعلم ما قبل ذلك" .
وهكذا، فقبائلنا مورية وليست وافدة كما زعموا، فمن العادات السيئة التي ابتلي بها المستلبون، أنك تجدهم دائماً يبحثون عن أصولهم من خارج التربة المورية، ويجهدون أنفسهم، ويطوعون أدواتهم خدمة لذلك، ومن عادتهم أيضاً التمسك بالمرويات الظنية، والتعسف في قراءتها خدمة لتبرير استلابهم الهوياتي.
ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.
إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع