الموقع الرسمي للدكتور عبد الخالق كلاب

بربر أم أمازيغ؟

الباب الثاني: جلد الذات
الفصل الثاني: بربر أم أمازيغ؟
---
إن تكرار الروايات لا يجعل منها حقائق يستند إليها لكتابة التاريخ، بل يدخلها في خانة أوثان السلفية التاريخية، إن تكرار كلمة البربر وتداول استعمالها في المصادر العربية يدخل في هذا النطاق، حتى إن ابن خلدون نعت الأمازيغ بالبربر في عنوان كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، ألم يكن حرياً به إدخال الأمازيغ في العجم، لأنهما يشتركان في العجمة؟ لماذا أضفى ابن خلدون وغيره من الإخباريين صفة البربر على الأمازيغ على خلاف الاسم الذي عرفوا به في الأمم؟ إذ المعلوم أن سكان شمال إفريقيا عرفوا منذ القديم بالأمازيغ، وعرف كلامهم بأوال أمزيغ أي الكلام النبيل، وهذا ما أورده الحسن الوزان بقوله: "إن هذه الشعوب الخمسة المنقسمة إلى مئات السلالات وآلاف المساكن، تستعمل لغة واحدة تطلق عليها اسم أوال أمزيغ أي الكلام النبيل، بينما يسميها العرب البربرية" .
وقد روى صاحب كتاب مفاخر البربر قصة قدوم نفر من الأمازيغ على عمر بن الخطاب، التي صرحوا فيها أن الاسم الذي يعرفون به في الأمم هو بنو مازيغ، لكن رغم ذلك، أصر جلساء عمر بن الخطاب على نعتهم بالبربر، قال صاحب المفاخر: "فلما قدموا على عمر بن الخطاب، ودخلوا وسلموا عليه، قال لهم: ما اسمكم الذين تعرفون به في الأمم؟ قالوا بني مازيغ، فالتفت عمر إلى جلسائه وشيخ إلى جنبه، فقال: هل تعرفون هؤلاء؟ فقال: نعم هؤلاء من البربر" ، والغريب في الرواية هو أن عمر بن الخطاب لم يأخذ بقول الوافدين عليه، الذين صرحوا أنهم يعرفون ببني مازيغ، وفضل هو وحاشيته تسميتهم بالبربر، وبذلك كان عمر بن الخطاب هو أول من خَصَّ سكان شمال إفريقيا بالبربر حسب صاحب المفاخر بقوله: "فالتفت عمر إلى جلسائه وشيخ إلى جنبه، فقال: هل تعرفون هؤلاء؟ فقال: نعم هؤلاء من البربر، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم سموا البربر؟ قال إن قيساً ولد أولاداً كثيرين، فسمى بعضهم براً، فخرج مغاضباً لإخوته إلى ناحية المغرب، فقالت العرب بربر أي توحش، فأول من سماهم بهذا الاسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه" .
إذاً، فالبربر هم المتوحشون حسب الرواية المشرقية، والبربرة هي الرطانة واختلاط الأصوات على حد تعبير ابن خلدون بقوله: "والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة، ومنه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة" ، إن إلصاق صفة التوحش بالأمازيغ، كان كافياً لتبرير الأفعال الشنيعة التي ارتكبها العرب في شمال إفريقيا، التي على كل حال لا يمكن أن نسميها فتحاً إسلامياً، لأن الإسلام برئ منها، وعليه، فاستعمالك اليوم لكلمة البربر، يعد جلداً للذات، وتبريراً لأفعال الغزاة.
ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.

إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع

دعم الموقع عبر PayPal

إرسال تعليق

أحدث أقدم