الموقع الرسمي للدكتور عبد الخالق كلاب

نحن أمازيغ ولسنا عربا

الباب الأول: أصالة الذات المورية
الفصل الثاني: نحن أمازيغ ولسنا عرباً
---
خلال العقود الماضية اعتقد الكثيرون منا، أن أصولهم مشرقية، مرددين عبارة "البربر سكان المغرب الأولون، قدموا من الشام واليمن عن طريق الحبشة"، وهذا وهم خالص، مبني على روايات ظنية كانت موضوع خلاف بين النسابة، فابن خلدون الذي يتوهم الناس أنه أرجع نسب الأمازيغ إلى أصول مشرقية، اكتفى بسرد خلاصة ما توصل إليه الإخباريون العرب بخصوص نسب الأمازيغ، قائلا: "وأما إلى من يرجع نسبهم من الأمم الماضية، فقد اختلف النسابون في ذلك اختلافاً كثيراً، وبحثوا فيه طويلاً، فقال بعضهم: أنهم من ولد إبراهيم عليه السلام من نقشان ابنه (...)، وقال آخرون البربر يمنيون، وقالوا أوزاع من اليمن، وقال المسعودي: من غسان وغيرهم، تفرقوا عندما كان من سيل العرم، وقيل: تخلفهم أبرهة ذو المنار بالمغرب، وقيل من لخم وجذام كانت منازلهم بفلسطين، وأخرجهم منها بعض ملوك فارس، فلما وصلوا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول، فعبروا النيل، وانتشروا في البلاد (...)، وذكر آخرون منهم الطبري وغيره أن البربر أخلاط من كنعان والعماليق، فلما قتل جالوت، تفرقوا في البلاد، وأغزى أفريقيش المغرب، ونقلهم من سواحل الشام، وأسكنهم إفريقية، وسماهم بربر، وقيل إن البربر من ولد حام بن نوح بن بربر بن تملا بن مازيغ بن كنعان بن حام" .
إن ما ذكره ابن خلدون نقلاً عن غيره، هو مجرد مزاعم لا تصمد أمام الحقيقة التاريخية، فابن حزم الذي يعده ابن خلدون ثقة، نفى أن يكون لقيس عيلان ابناً اسمه بر أصلاً، بقوله: "قال قوم أنهم من بقايا ولد حام بن نوح -عليه السلام-، وادعت طوائف منهم إلى اليمن إلى حمير، وبعضهم إلى بر بن قيس غيلان، وهذا باطل لا شك فيه، وما علم النسابون لقيس عيلان ابناً اسمه بر أصلاً، ولا كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن" .
وابن خلدون نفسه اعتبر هذه الأخبار من المغالط، وأفرد فصلاً كاملاً لتصحيحها، عنوانه: "في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها"، ذكر فيه بعض الأخبار الواهية، بقوله: "ومن الأخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب، وأن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأول، وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل، غزا أفريقية، وأثخن في البربر، وأنه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم، وقال ما هذه البربرة، فأخذ هذا الاسم عنه، ودعوا به من حينئذ، وأنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير، فأقاموا بها، واختلطوا بأهلها ومنهم صنهاجة وكتامة، ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والبيلي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير، وتأباه نسابة البربر وهو الصحيح" .
وقد تصدى ابن خلدون لتصحيح هذه الأخبار الواهية، بقوله: "وهذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة، وذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب وقراراهم وكرسيهم بصنعاء اليمن، وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها؛ فبحر الهند من الجنوب، وبحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق، وبحر السويس الهابط منه إلى السويس من أعمال مصر من جهة المغرب، كما تراه في مصور الجغرافيا، فلا يجد السالكون من اليمن إلى المغرب طريقاً من غير السويس، والمسلك هناك ما بين السويس والبحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما، ويبعد أن يمر بهذا المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن يصير من أعماله هذه ممتنع في العادة، وقد كان بتلك الأعمال العمالقة وكنعان بالشام والقبط بمصر، ثم ملك العمالقة مصر، وملك بنو إسرائيل الشام، ولم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحداً من هؤلاء الأمم، ولا ملكوا شيئاً من تلك الأعمال، وأيضاً فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزودة والعلوفة للعساكر كثيرة، فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم، وانتهاب البلاد فيما يمرون عليه، ولا يكفي ذلك للأزودة وللعلوفة عادة، وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله، فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها، ودوخوها لتكون الميرة منها، وإن قلنا إن تلك العساكر تمر بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم، فتحصل لهم الميرة بالمسالمة، فذلك أبعد وأشد امتناعاً، فدل على أن هذه الأخبار واهية أو موضوعة" .
وبذلك، فروايات النسابة العرب مبنية على غير أساس، وأما القول بالأصل الفينيقي والقرطاجي، فمردود، لأن القرطاجيين لم يستوطنوا البلاد المورية مطلقاً، بل كان تواصلهم مع أهلها عن طريق التجارة الصامتة" ، ولا شك أن تواصل القرطاجيين مع الموريين عن طريق التجارة الصامتة هو إقرار بوجود شعب موري له لغة مختلفة عن لغة الشعوب الأخرى، وهو ما أكده بلين بقوله: "إن أسماء شعوبها ومدنها عسيرة النطق بها ماعدا في لغاتها" ، وهذا كله يؤكد أن سكان هذه البلاد أمازيغ لا علاقة لهم بالأصل المشرقي على الإطلاق، فالشواهد التاريخية تؤكد أننا شعب أصيل له تاريخه، وحضارته، ولغته الخاصة، وأن استقدام العرب تم في سياق تاريخي معلوم.
فالمعلوم أن عرب الغزو قد تم القضاء عليهم جملة أثناء الثورة المورية، قتل منهم من قتل، ولجأ منهم من بقي على قيد الحياة إلى إفريقية والأندلس، فخلت بلاد الموريين من العرب جملة، واستمر هذا الواقع إلى سنة 189هـ/805م/65ⵎ، التي قدم فيها على إدريس الثاني خمسمائة فارس من الأزد ومدلج والصدف وبني يحصب، اندمجت هذه الأقلية العربية في المجتمع الفاسي المتشكل آنذاك من قبائل أمازيغية محلية وأندلسية، وأما ما يزعمه الناس من حدوث هجرات عربية عمرت المناطق السهلية قبل زمن حكم الموحدين، فهو وهم خالص، لا سند تاريخي يدعمه.
إن استيطان العرب زمن حكم الموحدين لم يكن غزواً، بل إن الموحدين استقدموا العرب لأغراض وقتية اقتضتها الوضعية السياسية آنذاك، فالدولة الموحدية امتد سلطانها ليشمل إفريقية، التي احتلها العرب بتوجيه من الفاطميين، وخربوها، وعاثوا فيها فساداً ، فاقتضى نظر الموحدين نقل أفاريق من الأعراب، وتوطينهم في مجالات نفوذ الدولة، لمراقبتهم، ولتخفيف ضررهم على أطراف الدولة البعيدة، لكي لا يضطر الموحدون في كل مرة للانتقال إلى إفريقية، لإخماد ثوراتهم، وإجهاض مؤامراتهم، خاصة أنهم انضموا إلى ثورة بني غانية التي كادت أن تقضي على الوجود الموحدي بإفريقية.
إن معرفة ظروف هجرة العرب من بلاد المشرق إلى بلاد الغرب، تقتضي معرفة العلاقات المتوترة بين الفاطميين والمعز بن بادس الذي خلع دعوتهم، فرموه بجحافل الأعراب، فبعد انتقال الخليفة المعز لدين الله الفاطمي من إفريقية للاستقرار بمصر سنة 362هـ/973م/233ⵎ، ولى على إفريقية بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي، الذي توارث خَلَفُه الحكم؛ فولي بعده ابنه المنصور بن بلكين سنة 373هـ/983م/243ⵎ، وباديس بن المنصور سنة 385هـ/995م/255ⵎ، ثم المعز بن باديس الذي بويع سنة 407هـ/1016م/276ⵎ، وسنه سبعة أعوام ، غير إن المعز كان "منحرفاً عن مذاهب الرافضة ومنتحلاً للسنة، فأعلن بمذهبه لأول ولايته، ولعن الرافضة، ثم صار إلى قتل من وجد منهم" ، وفي سنة 440هـ/1048م/308ⵎ أمر المعز بن باديس الصنهاجي بقطع الدعوة للفاطميين، ودعا على منابر إفريقية للعباس بن عبد المطلب العباسي .
لم يقف الفاطميون مكتوفي الأيدي أمام انتزاء المعز بن باديس، وتحالفه مع خصومهم التقليديين، فبهذا التحالف أصبح الوجود الفاطمي محاطاً بخطرين جسيمين من جهتي الشرق والغرب، مما جعلهم يفكرون في مقاربة جديدة تضمن لهم إضعاف بني زيري للتفرغ لمواجهة العباسيين، وكانت خطتهم لأجل  ذلك هي اقتطاع أرض إفريقية للأعراب، ولإنفاذ هذا الأمر، أمر الخليفة المستنصر الفاطمي كاتبه "أن ينشر مرسوماً يقضي بأن كل أعرابي يؤدي ديناراً فقط، يسمح له بالعبور إلى إفريقية بكل حرية، شريطة أن يحلف أنه سيعامل الأمير الثائر معاملة العدو، فكان ذلك، وعَبَرَ نحو عشر قبائل عربية نصف سكان صحراء الجزيرة العربية وبعض بطون قبائل اليمن، وكان عدد الرجال المحاربين يناهز خمسين ألفاً، ولا يكاد يحصى عدد النساء والأطفال والبهائم" .
إن رواية الحسن الوزان بخصوص أعداد العرب الوافدين مبالغ فيها، ذلك أنه يبعد عن الأحداث زمنياً ومجالياً، وهنا يمكن الاستدلال برواية أقدم زمنياً من رواية الوزان، يتعلق الأمر برواية ابن عذاري الذي أورد أن العرب الذين وفدوا إلى إفريقية، كان عددهم 7500 فقط، بقوله: "وفي سنة أربع وأربعين وأربع مئة [1052م/312ⵎ] (...) كان عدد العرب الواصلين من المشرق سبعة آلاف فارس وخمس مئة" ، وقد شكل الفرسان حوالي نصف عددهم، حسبما ذهب إلى ذلك ابن عذاري أثناء حديثه عن هزيمة العرب للمعز بن باديس سنة 443هـ/1051م/311ⵎ، بقوله: "وكان عدد العسكر المهزوم ثلاثين ألف، ومن الرجالة ما يليق بذلك، وكانت خيل العرب ثلاثة آلاف فارس، ومن الرجالة ما يليق بذلك، وفي ذلك يقول علي بن رزق من قصيدة له في ذلك:
ثَلاَثُون ألفاً منكم هَزمَتْهُمُ                      ثَلاثَةُ آلافٍ إن ذَا لنَكالُ" 
جاز الأعراب نهر النيل سنة 441هـ/1020م/309ⵎ، واتجهوا نحو الغرب، فتوقفوا أولا لمحاصرة طرابلس حتى أخذوها عنوة، ونهبوها، وقتلوا كل من أمكنهم قتله بها، ثم توجهوا إلى قابس وخربوها، وأخيراً أقاموا الحصار على القيروان التي تحصن فيها الثائر بكل ما يحتاج إليه من زاد وغيره مدة ثمانية أشهر ، إلى أن افتتحوها ونهبوها، وفر المعز إلى المهدية متحصناً بها إلى أن مات سنة 454هـ/1062م/322ⵎ، وتوارث أبناؤه من بعده إمارة المهدية إلى أن قضى عليهم الموحدون نهائياً .
وبذلك، اقتسم هؤلاء الأعراب جميع البوادي، وسكنوها، وفرضوا على كل مدينة ضرائب وتكاليف جسيمة، وطالوا سادة هذه الناحية، إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين الذي بالغ المجهود في إسعاف أقارب الثائر الهالك، وما زال يعمل إلى أن حرر المدن من سيطرة الأعراب الذين استقروا رغم ذلك في البوادي، يقتلون، وينهبون ما استطاعوا، بينما بقي أهل الأمير الثائر يحكمون في أماكن مختلفة ، ولما تولى يعقوب المنصور الموحدي الحكم عزم على محاربة أبناء الأمير الثائر، وحرمانهم من كل سلطة، فلجأ إلى الحيلة، وعقد معهم معاهدات، ثم دفع العرب إلى محاربتهم، فانتصروا عليهم دون عناء، وبعد ذلك نقل المنصور أهم قبائل الأعراب إلى الممالك الغربية، فأسكن أشرفهم بدكالة وأزغار، وأدناهم بنوميديا .
وهكذا، فنقل الأعراب من إفريقية إلى البلاد المورية تم في عهد الموحدين، لأن إفريقية أصبحت تابعة للدولة الموحدية، خاضعة لسطوة خلفائها، لذلك لم يقف الموحدون متفرجين على ما يلحقه هؤلاء الأعراب من عيث وإفساد، فاقتضى نظر عبد المؤمن ويعقوب المنصور، نقل أعداد قليلة منهم، وتوطينهم في قاعدة دولته، لكن يعقوب المنصور ندم على هذا الإجراء، وقد عبر عن ذلك حين احتضاره قائلا: "ما ندمت في خلافتي إلا على ثلاث، وددت أني لم أفعلها، أولها إدخال العرب من إفريقية إلى المغرب، وإني أعلم أنهم أصل فساده" .
أدخل الموحدون أعراباً من جشم، وهلال، وأثبج، وزغبة، ورياح، وبني سليم، وبني معقل الذين "كان دخولهم إلى المغرب مع الهلاليين في عدد قليل يقال إنهم لم يبلغوا المائتين (...) وعددهم كما قلنا قليل، وإنما كثروا بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم" ، ولا شك أن عددهم القليل جعلهم في موقف ضعف لم يسمح لهم بالسيطرة على المجالات الخصبة، وهذا ما عبر عنه ابن خلدون بقوله: "واعترضهم بنو سليم فأعجزوهم (...) ونزلوا بآخر مواطنهم مما يلي ملوية ورمال تافيلالت، وجاوروا زناتة في القفار والغربية، فعفوا، وكثروا، وأنبتوا في صحاري المغرب الأقصى، فعمروا رماله، وتغلبوا في فيافيه" .
ولما ضعفت حكومة الموحدين، واشتد الصراع بين بني عبد المؤمن، أصبحوا سادة تلك المناطق، حتى إنهم كانوا يناجزون ولاة أمورهم، وفي شأن ذلك قال ابن أبي زرع "اجتمع أشياخ الموحدين على بيعته [يحيى بن محمد الناصر] بعد بيعتهم للمأمون وقتلهم العادل (...) ولم يزل يحيى ينازع المأمون وولده الرشيد إلى أن قتل بفج عبد الله من أحواز رباط تازة، قتله عرب المعقل غدراً، وذلك في يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة [1236م/496ⵎ]، وحمل رأسه إلى الرشيد بمراكش" .
وبعد انهيار حكومة الموحدين، أوغلوا في البلاد حتى انتهوا إلى بلاد السوس، وكان الداعي لذلك استدعاؤهم من طرف يدر الزكندري صاحب السوس، وفي ذلك قال ابن خلدون "وكانت مواطنهم [بنو مختار بن محمد] بنواحي ملوية إلى مصبه في البحر مع إخوانهم ذوي منصور وعبيد الله إلى أن استصرخهم علي بن يدر الزكندري صاحب السوس من بعد الموحدين (...) وكانت بينه وبين كزولة الظواعن ببسائط السوس وجباله فتنة طويلة، استصرخ لها بني مختار هؤلاء، فصارخوه، وارتحلوا إليه بظعونهم، وحمدوا مواطن السوس لعدم المزاحم من الظواعن فيها، فأوطنوها، وصارت مجالاتهم بقفرها، وغلبوا كزولة، وأصاروهم في جملتهم ومن ظعونهم، وغلبوا على القصور التي بتلك المواطن في سوس ونول، ووضعوا عليها الأتاوات مثل تارودانت من سوس" .
إلا إن الحدث الذي غير مسار تاريخ أفاريق بني معقل هو قيام حكومة زناتة بني مرين، التي كانت تستوطن المجالات الواقعة شرق البلاد، فبعد وصول زناتة إلى الحكم، انتقلت لتستقر في فاس وباقي المدن، وبذلك تُرك المجال لاتحادية بني معقل، وهذا ما عبر عنه ابن خلدون بقوله: "فلما ملكت زناتة بلاد المغرب، ودخلوا إلى الأمصار والمدن، قام هؤلاء المعقل في القفار، وتفردوا في البيداء، فنموا نموا لا كفاء له، وملكوا قصور الصحراء التي اختطها زناتة بالقفر مثل قصور السوس غربا، ثم توات، ثم جودة، ثم تامنطيت، ثم واركلان، ثم تاسبيبت، ثم تيكورارين شرقا (...) فجاز عرب المعقل هؤلاء الأوطان في مجالاتهم، ووضعوا عليها الاتاوات والضرائب، وصارت لهم جباية يعتدون فيها ملكا" .
أما علاقتهم بحكومة المرينيين فسادها التوتر تارة وتبادل المصالح تارة أخرى، وذلك تبعاً لأوضاع الدولة المرينية ؛ ففي بداية الحكم المريني "كان لبني مرين على هؤلاء المعقل السوس وقائع وأيام، وظهر يعقوب بن عبد الحق ببني مرين في بعضها الشبانات على بني حسان، واستلحم منهم عدداً، وحاصرهم يوسف بن يعقوب بعدها فأمسكوها، وأغرمهم ثمانية عشر ألفاً، وأثخن فيهم يوسف بن يعقوب ثانية سنة ست وثمانين وسبعمائة، وحاربتهم جيوشه أيضاً أيام لحق بهم بنو كمي من بني عبد الواد، وخالفوا على السلطان، فترددت إليهم العساكر واتصلت الحروب" ، "ولما (...) ملك أبو علي بن السلطان أبي سعيد سجلماسة، واقتطعها عن ملك أبيه بصلح وقع على ذلك، انضوى إليه هؤلاء الأعراب أهل السوس من الشبانات وبني حسان، ورغبوه في ملك هذه القصور، فأغزاها من ثخوم وطنه بدرعة ودخل القرى عنوة (...) ثم غلب السلطان أبو الحسن، واستولى على المغرب كله، ورغبه العرب في مثلها من قصور السوس، فبعث معهم عساكره، وقائده حسون بن إبراهيم بن عيسى من بني يرنيان فملكها، وجبى بلاد السوس، وأقطع فيه للحرب، وساسهم في الجباية فاستقامت حاله مدة. ثم انقرض أمر السلطان أبي الحسن فانقرض ذلك، ورجع السوس إلى حاله وهو اليوم ضاح من ظل الدولة، والعرب يقتسمون جبايته، ورعاياه من قبائل المصامدة وصنهاجة قبائل الجباية، والظواعن منهم يقتسمونهم خولا للعسكرة مثل كزولة مع بني حسان وزكزر ولخس من لمطة مع الشبانات، هذه حالهم لهذا العهد" .
ونتيجة لهذه الأحداث والتطورات أصبحت مواطن اتحادية بني معقل حسبما ذكر ابن خلدون، تشمل المجالات الممتدة من تلمسان إلى البحر المحيط مروراً بسجلماسة ودرعة، بقوله: "هذا القبيل لهذا العهد من أوفر قبائل العرب، ومواطنهم بقفار المغرب الأقصى، مجاورون لبني عامر من زغبة في مواطنهم بقبلة تلمسان، وينتهون إلى البحر المحيط من جانب الغرب، وهم ثلاثة بطون: ذوي عبيد الله وذوي منصور وذوي حسان؛ فدوي عبيد الله منهم هم المجاورون لبني عامر ومواطنهم بين تلمسان وتاوريرت في التل وما يواجهها من القبلة، ومواطن ذوي منصور من تاوريرت إلى بلاد درعة، فيستولون على ملوية كلها إلى سجلماسة وعلى درعة وعلى ما يحاذيها من التل مثل تازى وغساسة ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمقدر، ومواطن ذوي حسان من درعة إلى البحر المحيط، وينزل شيوخهم بلاد نول قاعدة السوس، فيستولون على السوس الأقصى وما إليه، وينتجعون كلهم في الرمال إلى مواطن الملثمين من كدالة مسوفة ولمتونة" .
ومع مطلع القرن الثامن الموري، عادوا من الصحراء إلى السوس بسبب الأوبئة والمجاعات التي حلت بالبلاد سنتي 1521 و1522م/782ⵎ ، وصادف ذلك بداية الحركة السعدية، فكان ملوك السعديين "يستنفرونهم للغزو بحللهم لاعتيادهم ذلك أيام كونهم بالصحراء، ثم أنزلوهم ببسيط أزغار مراغمة لعرب جشم من الخلط وسفيان وغيرهم، إذ كانت الخلط شيعة بني مرين وأصهارهم (...) فلما جاءت الدولة السعدية، بقوا منحرفين عنها، وكلما طرقها خلل ثاروا عليها، وخرجوا عن طاعتها، فقيض لهم السلطان محمد الشيخ السعدي هؤلاء القبائل من معقل، وزاحمهم بهم في بلدهم، وشغلهم بهم، فكانت تكون بينهم الحروب، فتارة تنتصف معقل من جشم، وتارة العكس، حتى أوقع المنصور السعدي بالخلط وقيعته الشهيرة، وأسقطهم من الجندية" .
ما قرأتموه أعلاه بخصوص الوجود العربي وانتشاره، هو خلاصة الروايات التي تداولها الإخباريون، ويعتبرها البعض اليوم حقائق تاريخية، والحقيقة هي أن الوجود العربي لم يكن بالكثافة التي تقدمها الروايات، خاصة تلك التي أورها الحسن الوزان، الذي زعم أن القبائل التي عبرت من شبه الجزيرة العربية إلى مصر "نحو عشر قبائل عربية نصف سكان صحراء الجزيرة العربية وبعض بطون قبائل اليمن، وكان عدد الرجال المحاربين يناهز خمسين ألفا ولا يكاد يحصى عدد النساء والأطفال والبهائم" ، والحقيقة أن هذا العدد مبالغ فيه، بالنظر إلى رواية ابن خلدون الذي حصر عدد العرب الذين نقلهم العبيديون إلى مصر في شيعة القرامطة بقوله: "ولما تغلب شيعة ابن عبيد الله المهدي على مصر والشام، فانتزعها العزيز منهم، وغلبهم عليها، وردهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين، ونقل أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم، فأنزلهم بالصعيد وفي العدوة الشرقية من بحر النيل، فأقاموا هنالك، وكان لهم اضرار بالبلاد" ، وبالنظر أيضا لرواية ابن عذاري الذي حدد عددهم في 7500 فقط .
ومهما يكن، فهذه القبائل استقرت بمصر أولاً، ثم انتقل بعضها إلى إفريقية بأمر من الخليفة الفاطمي، وخلال القرن الخامس الموري، استقدم الموحدون أعداداً محدودة منها؛ فابن عذاري ذكر أن عبد المؤمن "سار حتى وصل إلى مقربة من وهران، فطلبه عرب إفريقية في الوداع بالرجوع إلى حللهم، فأسعفهم بذلك، ونقل منهم إلى المغرب ألفاً من كل قبيلة بعيالهم وأبنائهم وهم عرب جشم" ، وأحصى ابن خلدون عدد المعقلين الداخلين في أقل من مائتين، بقوله: "وكان دخولهم إلى المغرب مع الهلاليين في عدد قليل، يقال إنهم لم يبلغوا المائتين (...) وعددهم كما قلنا قليل؛ وإنما كثروا بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم" ، وبذلك، فأعداد العرب المستقدمين كانت قليلة جداً، اندمجت في المجتمع الموري اندماج القلة القليلة في الكثرة، وهذا بالضبط ما تكشفه نتائج الفحوصات الجينية.
إن الروايات التاريخية لا ترقى إلى أن تكون أدلة علمية يقينية، فمن كتبوا أخبار استقدام العرب، كانوا يبعدون زمنياً عن الحدث بقرون، فالعرب استقدموا من طرف الموحدين خلال القرن الخامس الموري، في حين أن الروايات التي أرخت لهذا الحدث ترجع إلى فترات لاحقة ومتأخرة جداً؛ فابن عذاري عاش في القرن السابع الموري، وابن خلدون توفي في القرن الثامن الموري، والحسن الوزان ألف كتابه في القرن التاسع الموري اعتماداً على ذاكرته.
وأمام هذه الأخبار المتضاربة، تبقى نتائج الفحوصات الجينية هي الأداة العلمية الدقيقة لحسم هذا الجدل، فبالاعتماد على دراسة جينية أجريتها على 36 عينة، تبين أن الجينوم الطاغي هو جينوم شمال إفريقيا بحوالي 85%، يليه جينوم إيبيريا بـ7,70%، يليهما جينوم إفريقيا جنوب الصحراء بـ5,74%، ويأتي جينوم شبه الجزيرة العربية والشام في المرتبة الأخيرة بنسبة تقل عن 0,08%، وبعد إجراء الدراسة المذكورة، تلقيت كثيراً من العينات، تؤكد أن تلك العينات المعتمدة معبرة بشكل صادق، وبذلك، فهذه الدراسة الجينية اليقينية، نسفت كل المرويات التاريخية، التي كانت تعد مسلمات، يتداولها البعض بغرض إثبات الأصل المشرقي للأمازيغ.
هذه الدراسة الجينية [الدراسة الجينية في الكتاب الورقي] أكدت حقيقة لطالما ناديت بها، هي أن المجتمع الموري يعد من المجتمعات الأقل اختلاطاً في العالم، فالمكون الأصيل ظل يشكل القاعدة الصلبة بنسبة تفوق 80%، وهذا يفند القول بأننا مجتمع تكونت قاعدته من شعوب مهاجرة قدمت من أوربا وإفريقيا والشرق، والحقيقة هي أننا نحن الموريون كلنا أمازيغ ناطقون وغير ناطقين، وأنه لا وجود في الواقع للعرب والأندلسيين والأفارقة، بل هناك موري أمازيغي فقط جينومه الطاغي شمال إفريقي، مع وجود نسب ضئيلة من مناطق أخرى، إذاً، فالقول أننا أمازيغ وعرب وأفارقة وأندلسيين هو بلقنة للمجتمع، ومحاولة لربطنا بمجالات لا ننتمي إليها تاريخياً وهوياتياً. 
وختاماً، فالروايات التاريخية، والحفريات الأثرية الأخيرة، ونتائج الفحوصات الجينية، أكدت أصالة الوجود الموري، وهدمت أوثان سلفيةٍ تاريخيةٍ، شيدها سدنة معبد العروبة، واتخذوها أدلوجة لمحاربة خطاب الهوية والأصالة.
ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم