المباديء الأساسية للطرائق البيداغوجية الحديثة

واتساب
المباديء الأساسية للطرائق البيداغوجية الحديثة

المباديء الأساسية للطرائق البيداغوجية الحديثة: مبدأ الحاجة ومبدأ الاهتمام ومبدأ الحرية

ترتكز الطرائق البيداغوجية الحديثة بصفة عامة على ثلاثة مباديء أساسية، هي مبدأ الحاجة ومبدأ الاهتمام ومبدأ الحرية.

1- مبدأ الحاجة: le principe du besoin

يعتبر مبدأ الحاجة بمثابة المحرك الأساسي لكل تعلم، حيث يعتبر Claparède بأن أي فعل كيفما كان نوعه، إذا لم يرتبط بطريقة مباشرة بحاجة ما، فهو بمثابة شيء ضد الطبيعة.
فماهي الحاجة؟ يمكن تعريفها بكونها عبارة عن "نقص" يحس به الجهاز العضوي l'organisme، فيمكن أن يكون نقصا تلقائيا، بمعنى أنه يمكن أن يظهر في غياب أي إثارة خارجية. كأن ينهض طفل فجأة من كرسيه ليبحث عن لعبة في زاوية من المنزل. أو كأن يترك راشد عمله ليشتري جريدة، يمكن أن نقول بأن هذا الطفل وهذا الراشد قد أحسا "بنقص في شيء ما" أي أنهما شعرا بحاجة ما. على العكس من هذا، يمكن لمثير خارجي ما، ألا يؤدي إلى أي نشاط، وفي هذه الحالة لا نحس بأي "نقص" ولا بأية حاجة. لذلك فالمحرك الأساسي لتصرف ما والحافز الحقيقي للفاعلية أو النشاط لا يتمثل في الإثارات الخارجية للوسط في حد ذاتها، كما تدعي ذلك النظريات السلوكية، وإنما يتمثل في الحاجة التي تجعلها نميز بين هذا المثير أو ذاك، من هنا فقانون المثير-استجابة لا يستجيب لخصوصية الحاجة، بل الحاجة هي عبارة عن تدخل الجهاز العضوي بين المثير الخارجي والاستجابة. يشير Paul Fraisse في هذا المجال بأن إدراكات الفرد هي نتاج للطريقة التي تقدم بها وضعية ما. فهذه الأخيرة، لا يمكن ترجمتها كمتغيرة فيزيقية، أو حسب تأويل الآخر فقط. إن الوضعية ترتبط بالفرد، ومن المهم أن نشرح تصرفا ما وأن نعرف الطريقة التي يدرك بها الفرد وضعية ما من خلال شخصيته (بتدخل من جهازه العضوي، خبرته، مزاجه وحاجاته). لذلك فالعلاقة بين المثير والاستجابة لا يجب التعبير عنها بمعادلة R-f(s--p)، وإنما من خلال المعادلة R-f(s==p)، فالسهم المزدوج يشير إلى وجود تفاعي دائم بين "S" و"P" اللتين لا تعتبران بمثابة متغيرات تجميعية فقط..."
وانطلاقا من هذا المبدإ، ترى البيداغوجيا الحديثة بأن المربي يجب أن يكون واعيا، بأن تقديم مادة دراسية أو تجربة أو مقرر، حتى وإن كان مهما بشكل ضمني، فقد لا يثير أي رد فعل عند التلميذ وأية حاجة لديه. لذلك فإن أي فرد لا يستجيب بنوع من النشاط لمثيرات الوسط الخارجي (خطاب تعليمي مثلا) إلا إذا أحس بإمكانية استعادة توازن تم فقده. ويمكن الإشارة هنا إلى وجود مسافة معينة بين ظهور الحاجة وبين الرغبة في إشباعها: فهذه المسافة هي التي تتيح تدخل ذكاء الفرد، إنها تعتبر بمثابة اللحظة التي تولد حب الاستطلاع والنشاط الذهني والتخيل.
فالمحرك الأساسي للنشاط الفعال هو الحاجة، لكن هذه الحاجة لا يمكن إشباعها إلا من خلال ضرورة البحث عن موضوع إشباعها. إن الفرد الجائع لا يبحث عن إلغاء الجوع، وإنما يبحث عن أكل. إن هذا البحث الفعال عن موضوع إشباع الحاجة هو ما نسميه بالاهتمام l'intéret.

 2- مبدأ الاهتمام: le principe de l'intéret

بدون الحاجة، لا يمكن أن يكون هناك اهتمام، وبدون اهتمام لا يمكن أن توجد خبرة معيشة، وبالتالي لا يمكن تحقيق تعلم فعلي. لقد أشار Claparède في هذا المجال بأن المدرسة التقليدية تجتهد لكي تحصل من التلاميذ على هذه الأشياء المعارضة للطبيعة، إنها ترغمهم على أن يقوموا، منذ الصباح إلى المساء، وعلى مدار السنة كلها، بأعمال لا تستجيب لأي اهتمام لديهم. فهذه الأفعال وهذه المجهودات التي نطلبها منهم. لا يحكمها قانون الحاجة. فنحن مرغمون على إثارتها، على الالتجاء إلى مجموعة من الوسائل والعقوبات والنقط السيئة والمكافآت والامتحانات والتهديدات...
إن تحقيق اهتمامات داخل البرنامج التربوي نفسه، هو الأساس الذي ترتكز عليه كل طريقة فعالة. لكن هذا لا يعني الاهتمام بالمقرر الدراسي حتى يكون جذابا، بل يجب العمل على توفير الحاجة، فمن جهة، هناك حاجات الطفل العامة، ومن جهة أخرى، هناك البرنامج التربوي ومتطلباته الخاصة، فإذا ما أثير الاهتمام، فإنه سيؤدي بالتأكيد إلى خلق علاقة تناسب بين المتغيرتين: الحاجة والبرنامج. فعندما تدعو المدرسة الحديثة إلى النشاط الحقيقي، وإلى العمل التلقائي الذي يرتكز على الاهتمام الفردي، فهذا لا يعني حسب Claparède بأن المدرسة الفعالة تطالب الطفل للقيام بكل ما يريده، بل إنها تطالبه على الخصوص بأن يكون راغبا في الأشياء التي يقوم بها. إن قانون "الاهتمام" بالنسبة لـ Claparède هو المحور الذي يجب أن يدور حوله كل نظام تربوي. فنتيجة لهذا المبدإ، تحاول الطرائق البيداغوجية الفعالة، وبكل جهد أن تقدم للأطفال مواد دراسية تكون قابلة للاستيعاب (بمفهوم بياجي) بواسطة بنياتهم المعرفية خلال المراحل المختلفة للنمو، ذلك لأن الطفل إذا كان يتصرف مثله مثل الراشد، فإنه يتصرف بذهنية تتنوع بنياتها من مرحلة لأخرى.

3- مبدأ الحرية: le principe de la liberté

إذا كانت الطرائق الفعالة تطرح حرية الطفل كشرط أساسي في العمل التربوي وفي التعلم، فإنها لا تعني بذلك الدعوة وبشكل آلي إلى الدفاع عن تربية تحررية أو فوضوية، une éducation libertaire et anarchique إنها تدعو فقط إلى أن يعيش الطفل خلال وضعيات التعلم، أشياء يحس بها وبشكل فردي، وهذا يشترط ان يتمتع الطفل بنوع من حرية التصرف في الخطوات التي ينهجها. لذلك فالحرية التي تطالب بها الطرائق الفعالة، لا تتجلى بالضبط في الحرية الفيزيقية كما يفهم ذلك بعض المدرسين [...] حين يسمحون للتلاميذ بالتحرك العشوائي داخل الفصل الدراسي، أو الخروج من القسم ثم الرجوع إليه بنوع من التلقائية الفجة. فالحرية المقصودة هنا هي الحرية السيكولوجية والفكرية (في هذا الإطار، ومن خلال ما تمت ملاحظته ببعض المدارس التطبيقية، هو تلك المفارقة العجيبة التي تتمثل في السماح للطفل بالتحرك الجسمي المبالغ فيه داخل القسم مع منعه من إبداء رأيه الشخصي أو السماح بمبادرات في اختيار موضوع التعلم). كذلك، إذا كانت الطرائق الفعالة تتميز بالعناية التي تحيط بها حاجات واهتمامات الطفل، فإنها لا تعتبر أقل توجيهية في استغلال هذه الأخيرة. ويتجلى هذا من خلال اختيارها للبرنامج الدراسي أو بتهييء الفضاء الذي سيتحقق فيه هذا البرنامج. ونعني هنا فضاء المدرسة بما فيه نوع الهندسة، نوع المرافق، عدد الأقسام، نوع ساحة المدرسة، طريقة تنظيم حجرة الدراسة (عمل فردي أو جماعي، عمل بالمجموعات)، مستوى توفير الوسائل التعليمية، إضافة إلى الموقع البيئي للمدرسة ونوع المربين ومستوى تكوينهم.
لذلك، فإذا كانت الطرائق الفعالة تعظم الحرية، فإن هذه الحرية تعني بالنسبة للطفل وبإلحاح، إمكانية توفره على اهتمامات خاصة به. أما بالنسبة للمربي، فاحترام حرية الطفل، لا يعني تحقيق جميع رغباته أو تلبية جميع نزواته.
سلسلة التكوين التربوي العدد 4
الأقسام:
الأشرطة المشابهة

0 التعليقات: