نظرية التعلم بالموازنة

واتساب

نظرية التعلم بالموازنة

ترتبط هذه النظرية بالإبستمولوجيا التكوينية لبياجي Piaget حيث ترى هذه النظرية، بخلاف الترابطية والسلوكية والجشطلت، أن المعرفة لدى الإنسان، لا تكون نتيجة الترابطات الآلية أو طبقا لقانون المثير-استجابة. لا تتكون انطلاقا من مبدإ الإدراك الكلي وتنظيم المجال الإدراكي فقط، وإنما تتكون المعرفة نتيجة للتفاعل interaction بين مكونات الفرد الداخلية وعناصر الوسط الخارجي، وذلك من خلال عمليتي الاستيعاب l'assimilation والتلاؤم l'accommodation.
نظرية التعلم بالموازنة (البنائية) عند بياجيه
إن المعرفة في أصلها، حسب Piaget لا تنتج لا من الموضوعات les objectifs ولا من الذات le sujet بل من التفاعلات بين الذات والموضوعات. فلا يمكن إذن تصورها (أي المعرفة) محددة مسبقا في البنيات الداخلية للفرد (وجهة نظر الفطرية point de vue innéiste لأنها تنتج من خلال بناء فعلي ومستمر، ولا هي محددة في الخصائص الموجودة مسبقا في الموضوع الخارجي (وجهة نظر الخبرية l'empirisme والسلوكية) لأنها، أي الخصائص، لا يمكن أن تعرف إلا التدخل الأساسي لتلك البنيات.
إن الذات في مواجهتها للموضوعات الخارجية تقوم باستيعاب خصائص هذه الموضوعات لتكون بذلك ما يسمى بالخطاطات الذهنية les schèmes mentaux لكن الموضوعات الخارجية ليست بمثابة معطيات ثابتة أو جامدة بل هي دائمة الحركة والتغير والتجديد، لذلك نجد أن هذه العناصر الخارجية تفرض خصائصها على الذات لترغمها على ملاءمة الخطاطات الذهنية المكونة سابقا، حتى تجعلها تتحدد وفقا للتغيرات الجديدة التي حدثت على عناصر الوسط. إن هذه السيرورة le processus الدائمة بين عمليتي الاستيعاب والتلاؤم هي التي تخلق توازنا بين الذات والموضوع، وتؤدي إلى تحقيق التكيف l'adaptation. إلا أن عملية التكيف هنا، أي في مجال تكون المعرفة، تتجاوز عملية التكيف بالمفهوم الفيزيولوجي.
 إن عملية التوازن الفيزيولوجي هي عملية ثابتة، فهي بعد حدوث خلل في التوازن لا تعمل إلا على استعادة الحالة الأولى التي كان عليها، فهو لا يضيف شيئا جديدا إلى الجسم، فيتم استعادة التوازن الأول طبقا لميكانيزم إعادة الضبط الفيزيولوجي l'homéostasie.
أما عملية إعادة التوازن على المستوى المعرفي فهي غير ثابتة، بل تضيف شيئا ما، أي تعديلا على البنيات المكونة سابقا، فهي عبارة عن سيرورة دينامية، حيث لا ترجع البنيات الذهنية إلى حالتها الأولى بعد فقد التوازن (مواجهة وضعيات تعلمية جديدة). وإنما تعمل على تطويرها أكثر. إن هذا الميكانيزم الدائم والمتجدد هو ما أسماه Piaget بميكانيزم الموازنة l'equilibration. "إننا لا نقصد بها تطبيق نفس البنية العامة للتوازن في جميع الوضعيات وفي جميع المستويات، كما هو الحال في بنية الجشطلت المستوحاة من قوانين المجال [...] ولكن نقصد بها السيرورة (من هنا استعمال مفهوم الموازنة) التي تؤدي من خلال بعض حالات التوازن المتقاربة [...] إلى توازن جديد، بل وبصفة عامة إلى توازن أحسن... أي إلى تعلم أحسن".
إضافة إلى هذا، فالبنيات المعرفية عند بياجي تعتبر بنيات دينامية، إذ تبنى وتتطور وتنمو خلال مراحل النمو المختلفة للفرد -على عكس البنيات الجشطلتية الثابتة فخلال كل مرحلة عمرية تتأسس بنيات خاصة تتجاوز البنيات السابقة فتدمجها في بنيات جديدة.
إن الإنسان بعد الميلاد وحتى سن الثمانية عشر شهرا، يتصرف فقط في حدود ما هو حركي تطبيقي، ذكاء حسي-حركي l'intellegence sensori-motrice، ثم بعد اكتساب اللغة يرتقي إلى تكوين الكلام والفكر كنظام رمزي أكثر توازنا من الحركات وحدها. يكون هذا الفكر في بداية تكونه متمركزا حول الذات égocentrique بحيث يفتقر إلى البنيات المنطقية les structures logiques، إنه فكر قبل منطقي une pensée prélogique وغائي finaliste. بعد هذا يرتقي الطفل ابتداء من السن 6-7 إلى مرحلة الفكر المنطقي la pensée logique -توازي سن ولوج المدرسة- حيث يستطيع الفكر هنا أن يتعامل مع الوسط الخارجي، سواء منه الفيزيائي أو الاجتماعي أو الثقافي، بناء على علاقات منطقية، لكن هذه البنيات لا تستطيع تجاوز المعطيات الواقعية الملموسة، فلن تستطيع تجاوز ما هو واقعي ملموس إلا في مرحلة المراهقة، حيث يتطور الفكر أو الذكاء إلى مستوى مجرد يمكن الفرد من إدراك ومعالجة الأمور من خلال بناء فرضيات مجردة، لا علاقة لها بالواقع الملموس، والقدرة على القيام باستنباطات منطقية مجردة كذلك. فتعتبر هذه البنيات بالنسبة لبياجي هي نهاية سيرورة النمو المعرفي عند الإنسان لأنها تحقق التوازن النهائي، لكنه لا يظل ثابتا وإنما يبقى على شكل بنيات مفتوحة نحو تعلم أفضل.
سلسلة التكوين التربوي العدد 4
مواضيع ذات صلة بنظرية التعلم البنائية:
- بنائية بياجي
- النظرية البنائية والسلوكية
الأقسام:
الأشرطة المشابهة

0 التعليقات: