الباب الأول: أصالة الذات المورية
الفصل الأول: من هنا كانت البداية
---
من العادات المرضية التي تلازم المستلبين، أنك تجدهم دائماً يبحثون عن أصولهم من خارج التربة المورية، ويجهدون أنفسهم، ويطوعون أدواتهم للبحث عن آثار شعوب أخرى في أرضهم، ومن عادتهم أيضاً التمسك بالمرويات الظنية، ورفض الحقائق العلمية اليقينية التي تؤكد أننا أرض البداية ومهد الحضارة.
كشفت الحفريات الأثرية أن الإنسان الموري كان فاعلاً في المجال، وأكدت الروايات التاريخية أنه أسس كيانات سياسية فعلت فعلها في التاريخ، غير أن القراءة الإيديولوجية تعسفت في تأويل الآثار، ونسبت كل فعل في التاريخ وكل إنتاج حضاري موري للغرب والشرق، وهكذا نجد الحفريات الأثرية الأولى التي أجريت في بلدنا، كان أصحابها يبحثون عن آثار الوجود الرومي، في حين سعى الباحثون في التاريخ إلى نسب كل إنتاج لاحق للحقبة الرومية إلى المشرق، وبهذه القراءة الإيديولوجية يظهر بلدنا كمجال مستباح وتابع وغير فاعل.
هذه النظرة التي تحكم الكتابة التاريخية أصبحت بمثابة سلفية تاريخية، بمثابة أوثان لها دعاة يرفضون كل سردية تاريخية مغايرة، ويعارضون كل ناقد لما كتبه السلف من روايات تسيئ لتاريخنا وتلحقه بتاريخ شعوب أخرى، هؤلاء الدعاة يرون بلدنا تابعاً للشرق والغرب، ولا يرون فيه أمة فاعلة، فهو في نظرهم كان أرضاً خلاء، عمرتها أقوام وفدت من إفريقيا جنوب الصحراء ومن أوربا ومن الشرق، هؤلاء يرون كل دعوة إلى إعادة قراءة تاريخ أمتنا شعوذة وإثارة للفتنة والعنصرية، هؤلاء يعيشون بيننا بأجسادهم أما هواهم فمشرقي.
إن الاعتقاد بأن بلاد الموريين عالة على غيرها في كل شيء، وأن الحضارة أتتنا من الشرق، هو اعتقاد غير مبني على أساس علمي صلب، وقد تأكد لنا فساد هذا الاعتقاد بفضل الطفرة التي عرفها علم الآثار، فقد كشفت الحفريات الأثرية التي أجريت في الأعوام الأخيرة عن قدم وجود الإنسان في بلاد الموريين، وتعدد أنشطته، وتطور مهاراته، ونمو حسه الفني.
إلى عهد قريب كان يعتقد أن الشرق هو أصل البشرية ومهدها، بناء على روايات ظنية، وعلى أساس ذلك تم بناء سردية تاريخية، جعلت الأصيل طارئ، والطارئ أصيلاً، لكن الفتوحات الأركيولوجية لها رأي آخر، رأي مبني على العلم اليقين، فقد توصل باحثون على رأسهم عالم الآثار الدكتور عبد الواحد بناصر، أن الجمجمة التي تم اكتشافها بجبل ايغود، يرجع تاريخها إلى 315 ألف سنة، وبذلك فبلاد الموريين هي مهد الإنسان العاقل.
يتميز الموري اليوم بذكاء فني خارق، يعكسه تنوع تراثه الفني وغناه، والحقيقة أن هذا لم يولد من فراغ، فأسلافنا كانوا يتميزون بذكاء حاد، وإبداع فني خارق، وهذا ما كشفته الحفريات الأثرية التي أجريت بمغارة بيزمون بالقرب من الصويرة سنة 1281ⵎ، تحت إشراف السيد مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث الدكتور عبد الجليل بوزوكار، تم خلالها اكتشاف أصداف بحرية استعملت حلياً، يعود تاريخها إلى حوالي 150 ألف سنة، ولا شك أن التمكن من مهارة إنتاج حلي منذ هذا التاريخ السحيق، يكشف أن الإنسان الموري القديم كان ذكياً ومبدعاً وفناناً.
ومنذ حوالي 15 ألف سنة طور الإنسان الموري مهارات خارقة، إذ كشفت الحفريات الأثرية التي أجريت في القرن الماضي بمغارة الحمام بتافوغالت، عن وجود جمجمة إنسان تحمل آثار ثقب في الجهة اليسرى، قام بدراستها Jean Dastugue، وهو عالم انتربولوجيا فيزيائية، وتوصل إلى أن ذلك الثقب قد التأم، وأن صاحب تلك الجمجمة استمر على قيد الحياة بعد إجراء العملية.
وقد توصل الدكتور عبد الجليل بوزوكار إلى خلاصات تعطينا صورة لمعيش الإنسان الموري القديم، مشيراً إلى رسوخ قيم التكافل والتضامن والعناية بالآخر وقدمها، ذلك أنه لا يمكن لمن أجريت له عملية مثل هذه أن يتعافى دون مساعدة فرد أو أفراد من مجموعته، وخلص إلى أن المجموعة البشرية مارست الاستقرار أو على الأقل مكثت لفترة طويلة داخل المغارة وبمحيطها، أي أنها تبنت الاستقرار ببضعة آلاف سنين قبل مناطق كثيرة بالعالم القديم.
كما أسفرت الحفريات الأثرية التي أجريت بواد بهت تحت إشراف الدكتور يوسف بوكبوط عن اكتشاف مجمع زراعي يرجع تاريخه لأكثر من 5000 سنة، بلغت مساحته حوالي عشرة هكتارات، وخلال هذا العام 1285ⵎ تم الإعلان عن نتائج الحفريات التي أجريت بموقع كاش كوش بواد لاو، التي كشفت عن وجود آثار للاستقرار البشري وممارسة الزراعة، وذلك قبل مرور الفينيقيين عبر سواحلنا المتوسطية والأطلسية.
إن هذه الأدلة اليقينية تبرز مركزية البلاد المورية ومساهمتها في الحضارة الإنسانية، وتفرض إعادة النظر في التسلسل الزمني الذي استقر عليه المجتمع العلمي، إن الكرونولوجيا المعتمدة في ترتيب أحداث التاريخ تدخل هي الأخرى في إطار السلفية التاريخية، سلفية أسست لها أوربا منذ القرن 19م، اعتماداً على الحفريات الأثرية الأولى التي أجريت في بلاد الرافدين ومصر من طرف إنجلترا وفرنسا، وعلى التحولات التاريخية التي شهدتها أوربا، فتم على هذا الأساس وضع ترتيب زمني لأحداث التاريخ العالمي، هذا الترتيب الزمني هو الذي لا يزال معتمداً في المعاهد والجامعات والمدارس، ولا أدري لماذا لم تتم إعادة النظر فيه، خاصة بعد ظهور اكتشافات أقدم من تلك التي تم اكتشافها في بلاد الشرق، أليست هذه أوثانُ سلفيةٍ تاريخيةٍ؟
إن ما تم اكتشافه في الأعوام الأخيرة، هدم ذلك الوثن الذي ظل مقدساً لعقود، ذلك الوثن الذي جعلنا نصدق فكرة الأصل المشرقي للإنسان والحضارة، ذلك الوثن الذي رسخ فكرة مركزية المشرق، وجعل من "المغرب" عالة عليه في كل شيء، ذلك الوثن الذي جعل الباحث الموري يجهد نفسه، ويطوع أدواته، لتبرير الأصل المشرقي لكل إنتاج موري أصيل.
حان وقت هدم أوثان السلفية التاريخية، لن يتأتى ذلك من خلال الروايات فقط، ولكن من خلال اعتماد رؤية جديدة تعيد قراءة الروايات قراءة متبصرة، بعيداً عن كل نزوع إيديولوجي، رؤية تأخذ بعين الاعتبار مركزية التاريخ الموري، إن المدخل لهذه الرؤية الجديدة هو اعتماد تحقيب خاص بتاريخ أمتنا المورية، تحقيب يستحضر أهم أحداث تاريخها ووقائعه، تحقيب يحدد البدايات والمنعطفات والتحولات، تحقيب يبرز فاعليتنا، ويكشف للعالم مركزية حضارتنا.
إن كثافة أحداث تاريخنا ووقائعه وفاعليتنا فيه، تحتم علينا التفكير في وضع تحقيب لضبط مساره، وتيسير استيعابه للجميع، والحقيقة أنه جرت في السابق محاولات لتحقيب تاريخ الأمة المورية، لكنها لم تستطع تكسير وثن التحقيب الرباعي، بل حافظت عليه بناء عاماً، وحاولت تكييفه مع وقائع تاريخنا وأحداثه وتحولاته، لكن هذه المحاولات لم تنجح في تحقيق المأمول من كل تحقيب تاريخي، بل ظلت وفية للوثن، ترجع إلى ساحته لاستلهام المفاهيم الرئيسة، فتوظف مفاهيم: التاريخ القديم، والتاريخ الوسيط، والتاريخ الحديث، والتاريخ المعاصر، علماً أنها لا تصلح كمفاهيم جامعة ودالة خارج بيئة إنتاجها، فهي صالحة للدلالة على التحولات التي حدثت في أوربا فقط، وبذلك فالتحقيب الرباعي يكرس المركزية الأوربية، ويجعل منا ذيولاً وتوابع.
إننا في حاجة إلى تحقيب يبرز كياننا وفاعليتنا وتأثيرنا في باقي الحضارات والشعوب، تحقيب يمكننا من ضبط المنعطفات، وإدراك التحولات، تحقيب يضبط تسلسل الأحداث، ويمكن من إنتاج سردية متماسكة لتاريخ لا بياضات تشوبه، إن هذه الحاجة دعتني إلى بناء نموذج لتحقيب تاريخي، سيساعدكم على إعادة قراءة تاريخ الأمة المورية وهدم أوثانه.
ما الحدث الذي ينبغي اتخاذه مرجعاً للتحقيب الذي نأمله؟ كل واحد منا سيستحضر حدثاً بدا له مهماً، وسيدافع عنه حسب قناعاته وميولاته، فمنا من سيختار حدث حكم شيشنق لمصر وهذا بالتأكيد سيكون من دعاة تامزغا الكبرى، ومنا من سيختار تاريخ بداية الاحتكاك الموري الرومي وهو بذلك يحكمه خطاب المركزية الأوربية، ومنا من سيختار تاريخ بداية الاحتكاك الموري الأموي، فيما كان يصطلح عليه بـ"الفتح الإسلامي" لاعتبارات دينية وإيديولوجية تدخل في إطار المركزية المشرقية.
إن اختيار حدث البداية ينبغي أن يتوفر فيه شرطان موضوعيان؛ هما التحول وفاعلية المجتمع الذي حدث في جغرافيته التحول، وبالنظر إلى الأحداث المتقدمة، نجد أن حكم شيشنق لا يرتبط بجغرافية بلاد الموريين، ولم يُحدث فيها تحولاً، وكذلك غزو الروميين والأمويين للبلاد المورية لم يكن المجتمع الموري فيه آخذاً بزمام المبادرة، وإذا ما بحثنا في تاريخنا لاستخراج أهم الأحداث التي كان فيها الموري فاعلاً، فبالتأكيد سيقع اختيارنا على حدث الثورة المورية عام 122هـ/740م/1ⵎ، فهذا التاريخ أحدث تحولاً عميقاً في الشرق والغرب معاً؛ ففي المشرق كانت هزيمة الأمويين من بين الأسباب التي عجلت بزوال دولتهم، إذ سقطت بعد عشر سنوات من الثورة، بسبب هلاك الجيش الأموي الذي أرسله هشام بن عبد الملك لمحاربة الموريين، وبذلك فقدت الدولة الأموية حاميتها، وتوقفت الموارد التي كان يرسلها ولاة الأمويين وعمالهم من بلادنا إلى المشرق، وهذا كله عجل بزوال الدولة الأموية التي أدالتها الدولة العباسية، أما في البلاد المورية فقد أحدثت الثورة تحولاً عميقاً؛ إذ وحدت الموريين، وأحدثت مزاجاً عاماً رافضاً لكل تأثير أجنبي، فانتظم الموريون في إمارات مستقلة.
إنني أرى الثورة المورية حدثاً جديراً بالاهتمام، ينبغي اتخاذه عيداً وطنياً، ومحطة مرجعية لتاريخ أمتنا المورية، ليكون فاصلاً بين حقبتين كبيرتين، حقبة أولى اتصل خلالها الموريون بشعوب أخرى، إما عن طريق التجارة مع الفينيقيين والقرطاجيين، أو عن طريق مقاومة الروميين والعرب، وحقبة ثانية عكف خلالها الموريون على تأسيس إمارات في مرحلة أولى ثم تأسيس دولة مركزية قوية في مرحلة ثانية.
إن هذا الحدث الفارق الذي وافق 122هـ/ 740م يمكن من الآن تأريخه بـ 1مورية، (1ⵎ) وكل حدث قبله بـ (-ⵎ)، غير أنه لا يمكن اعتبار هذا الحدث قطيعة تامة لما سبق، فلا يستقيم القول بأن المجتمع الموري لم يكن فاعلاً قبل التاريخ المذكور، إذ تمكن من تأسيس مملكة مورية قوية، وقاوم كل محاولة لاحتلال أرضه، غير أن التحول الذي حدث ابتداء من 1ⵎ هو خلق وعي جماعي بخطورة الآخر الوافد، والمبادرة إلى تكوين إمارات استطاع بتأسيسها مواجهة الحملات العسكرية التي شنها الفاطميون، ثم انتقل الموريون إلى حقبة تمكنوا خلالها من تأسيس الدولة المركزية، وضم المجالات المسامتة لها شمالاً وجنوباً وشرقاً.
إن هذا التحقيب الذي نقترحه، يبرز فاعلية الأمة المورية، ويُمَكِّنُ من وضع كرونولوجيا واضحة لمراحل تاريخنا، تحقيب لا يقصي أي مرحلة، فهو يبدأ من (1ⵎ)/122هـ/741م، ويمتد عكسياً إلى ما قبلها، وبذلك فهو يشمل حقبة المملكة المورية، وينفتح على حقبة ما قبل التاريخ ليستوعب كل ما تم اكتشافه من خلال الحفريات الأثرية، وبذلك فهذا التحقيب سيمكننا من تجاوز سؤال: متى بدأ تاريخ الدولة المورية؟ فهذا السؤال سيصبح بلا معنى، لأن تاريخنا سيبدو من خلال هذا التحقيب سلسلة من الأحداث المهمة، بدايتها مفتوحة على ما تجود به الحفريات الأثرية، وسيبدو تاريخنا أعرق وأقدم مما هو متداول.