حصار سيدي محمد بن عبد الله لمليلية المحتلة

تولى سيدي محمد بن عبد الله الحكم عام 1757، ووجد المغرب قد باد أهله، وفني رجاله، وكسدت تجارته، بسبب فتنة الثلاثين سنة التي أعقبت وفاة المولى إسماعيل، وألفى النصارى قد اطمأنوا في الثغور واستطالوا على المسلمين، فقام بإحياء فريضة الجهاد، فـ"خرج سنة ثلاث وسبعين [1173/1759] من مكناسة يقصد الوقوف على الثغور البحرية بنفسه، فأتى مدينة تطاوين، فنزل بها، وأمر ببناء برج مرتيل الذي بها، وفرق المال على العبيد المقيمين به منذ أيام المولى إسماعيل، وهم بقية عبيد سبتة الذين كانوا مرابطين بها من قبله، فتفرق العبيد لموته، وبقي نحو الألف هنالك، فانتقلوا إلى مرتيل، ومر بسبتة، فتأملها، وتحقق منعتها أنه لا يدركها إلاَّ بالجد، وكان غرضه الأقوى الوقوف عليها، واختبار حالها (المشرفي، الحلل البهية، ج2، ص ص.27-28).

وغزا مليلية أواخر سنة أربع وثمانين ومائة وألف [1770]، "فأحاطت عساكره بها، ونصب عليها المدافع والمهاريس، وشرع في رميها أول يوم من المحرم سنة خمس وثمانين ومائة وألف [1771]، واستمر على ذلك أياما، فكتب إليه طاغية الإصبنيول، يعاتبه على حصارها، ويذكره المهادنة والصلح الذي انعقد بينه وبينه، ويقول له: هذا خط كاتبك الغزال الذي كان واسطة بيني وبينك في عقد الصلح لازال تحت يدي، فأجابه السلطان رحمه الله بأن قال: إنما عقدت معك المهادنة فيي البحر، فأما المدن التي في إيالتنا فلا مهادنة فيها، ولو كانت فيها مهادنة لخرجتم إلينا، ودخلنا إليكم، فكيف ادعاء المهادنة مع هذه المداهنة، فبعث إليه الطاغية عقد الصلح بعينه، فإذا هو عام في البر والبحر، فكف عن حربها، وأفرج عنها، وترك هناك جميع آلات الحرب من مدافع ومهاريس وكراريص وبنب وكور وبارود، وشرط على الطاغية حملها في البحر، وردها إلى الثغور التي جلبت منها لما في جرها في البر من المشقة على المسلمين، فأنعم بذلك وبعث مراكبه، فحملت بعضها إلى تطاوين، وبعضها إلى الصويرة، وذلك محلها الذي سيقت منه، وكان ذلك سبب تأخيره الغزال عن كتابه، وبقي عاطلا إلى أن كف بصره ومات رحمه الله.

وسبب المشكل هو "إن الغزال رحمه الله لما أعطى خط يده بالصلح والمهادنة كتب في الصك ما صورته: وإن المهادنة بيننا وبينكم بحرا لا برا، فلما حاز النصارى خط يده كشطوا لام الألف وجعلوا مكانها واوا، فصار الكلام هكذا بحرا وبرا، وأن السلطان رحمه الله إنما أخره لاختصاره الكلام، وإجحافه به حتى سهل على النصارى تحريفه، وكان من حقه أن يأتي بعبارة مطولة مفصلة حتى لا يمكن تحريفها، فيقول: مثلا: والمهادنة بيننا وبينكم إنما هي في البحر وأما البر فلا مهادنة بيننا وبينكم فيه أو نحو هذا من الكلام فيصعب تحريفه. (الناصري، الاستقصا، ج8، ص ص.40-41).




إرسال تعليق

0 تعليقات