الموقع الرسمي للدكتور عبد الخالق كلاب

الثورة المورية

الباب الثالث: فعل الموريين
الفصل الثاني: الثورة المورية
---
ما هالني حقاً، هو التنكر لفعل أسلافنا الموريين، لماذا يتم إقبار نضالاتهم؟ ولماذا يلجأ البعض إلى رميهم بالكفر، ونعتهم بالحقارة؟ حدث هذا أثناء تدوين الإخباريين لحد الثورة المورية، إذ أطلقوا عليها اسم غزوة الأشراف، واعتبروا الثوار خوارج، وقائدهم حقيراً، لذلك لا بد من إعادة قراءة هذا الحدث بمركزية وطنية تبرز فعل الموريين، وتعيد النظر في السردية التاريخية التي تربطنا بالمشرق بشكل مَرَضِي أفقدنا الاعتزاز بالذات والانتماء.
1: أسباب الثورة المورية
تعد الثورة المورية (122هـ/740م/1ⵎ) منعطفاً تاريخياً حاسماً، تولد عن وعي جماعي بخطورة الآخر، خاصة بعدما وقع الأمازيغ ضحية للاستبداد الأموي، الذي كان هدفه دنيوياً، فقد أمعن الولاة في سبي الأمازيغ وإذلال كبريائهم، فهذا الرقيق القيرواني يصف حملة من حملات أحد قواد عبيد الله بن الحبحاب، بقوله: "واستعمل على طنجة ابنه إسماعيل، وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازياً إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان، ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من الذهب والسبي أمراً عظيماً، ولم يدع في المغرب قبيلة إلا أداخها، فملئوا منه رعباً وخوفاً (...) وسبي من قبيل من قبائل البربر يقال لهم مسوفة في طريق السودان نساء لهن جمال، وكان لهن أثمان جليلة ما مثلها، ورجع سالماً حتى قدم على ابن الحبحاب، وأقام ابن الحبحاب مدة، والأمر يجري على ما يجب من الظفر والغلبة" ، وفي السياق ذاته قال ابن عذاري: "ثم إن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء السيرة، وتعدى في الصدقات والعشر، وأراد تخميس البربر، وزعم أنهم فيء المسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام، فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد، ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد نعود بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله" .
إن جور الولاة وأعمال السبي والنهب والتعسف التي قاموا بها لإشباع رغبات الخلفاء الأمويين، كانت السبب الرئيس في الثورة المورية، وهذا ما عبر عنه ابن عذاري صراحة بقوله: "وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة أنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا، وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبعثون فيها إلى عامل إفريقية، فيبعثون لهم البربريات المسبيات، فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير، وتكلف لهم أو كلفوه أكثر مما كان، فاضطر إلى التعسف وسوء السيرة، فحينئذ عدت البرابر على عاملهم، فقتلوه، وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب" ، وقد ربط ابن خلدون بين الغزو والثورة المورية، بقوله: "ثم انتفض البربر بعد ذلك سنة اثنتين وعشرين ومائة في ولاية عبد الله بن الحبحاب أيام هشام بن عبد الملك لما أوطأ عساكره بلاد السوس، وأثخن في البربر، وسبى، وغنم، وانتهى إلى مسوفة، فقتل، وسبى، وداخل البربر منه رعب، وبلغه أن البربر أحسوا بأنهم فيء المسلمين، فانتفضوا عليه" .
2: مراحل الثورة المورية
مرت الثورة بثلاث مراحل، واجه خلالها الموريون ثلاثة جيوش، جيش عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة، وجيش عبيد الله بن الحبحاب والي إفريقية، وجيش الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وقد تمكن الثوار من القضاء على الجيوش الغازية، وفك الارتباط بالمشرق بصفة نهائية.
2-1: القضاء على جيش عامل الأمويين (122هـ/740م/1ⵎ)
انتدب الموريون ميسرة المطغري لقيادة الثورة، وولوه خليفة عليهم، وكان أول ما ابتدأ به أمره هو مواجهة عمر بن عبد الله المرادي عامل الأمويين على طنجة، قال ابن عذاري: "وفي سنة اثنتين وعشرين ومئة [740م/1ⵎ] كانت ثورة البربر بالمغرب، فخرج ميسرة المدغري، وقام على عمر بن عبد الله المرادي بطنجة، فقتله، وثارت البربر كلها مع أميرهم ميسرة الحقير، ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج، وزحف إلى إسماعيل بن عبد الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله، ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب الأقصى وأهل إفريقية يطول ذكرها" ، وقال ابن عبد الحكم: "وانتفضت البربر على عبيد الله بن الحبحاب بطنجة، فقتلوا عامله عمر بن عبد الله المرادي، وكان من تولى ذلك ميسرة بن الفقير البربري ثم المدغري، وهو الذي قام بأمر البربر، وادعى الخلافة، وتسمى بها، وبويع عليها، ثم استعمل ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج الإفريقي (...) ثم سار إلى السوس وعليها إسماعيل بن عبيد الله، فقتله، وذلك أول فتنة البربر بأرض إفريقيا" .
درج الإخباريون على تمجيد الغزاة، واستحسان أعمالهم العدائية ضد الأمازيغ، لذلك شكلت لهم الثورة المورية صدمة حقيقية، فاعتبرها ابن عبد الحكم انتفاضة، ونعت قائدها بالفقير البربري، ونعته آخرون بميسرة الحقير، والمؤسف حقاً، هو أن نجد أحفاد ميسرة اليوم يتنكرون لنضاله الوطني، فميسرة لم يكن ثائراً فحسب؛ ميسرة بايعه الموريون خليفة، ميسرة كان يحمل مشروعاً وطنياً يهدف إلى طرد الغزاة، وتوحيد المملكة المورية، ودليلنا على ذلك أنه لما قَتَلَ ميسرة عامل طنجة، ولى عليها عبد الأعلى بن حديج، وتوجه إلى السوس لقتال إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب.
2-2: القضاء على جيش الوالي الأموي (123هـ/741م/2ⵎ)
وقعت الثورة في بلاد الموريين، ووصل صداها إلى إفريقية والشام، فاهتز لها عبيد الله بن الحبحاب والي الأمويين على إفريقية، وهاله ما سمع، وعظم عليه الخطب، فحشد جيوش إفريقية، واستدعى الجيش الذي بعثه لغزو صقلية، ووجههم أجمعين لقمع ثورة الموريين، قال بن عبد الحكم: "[و] لما بلغ عبيد الله بن الحبحاب قَتْل عامله وولده، كتب إلى صاحب جيشه حبيب بن أبي عبدة، يأمره بالرجوع من صقلية، ليأخذ في الحركة مع أهل إفريقية إلى حرب ميسرة، وولى ابن الحبحاب على عسكر إفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد بن أبي حبيب الفهري، فشخص إلى ميسرة، ووصل حبيب بن أبي عبدة في إثره، وسار خالد حتى عبر وادي شلف، وهو نهر بمقربة تيهرت، ثم قدم حبيب، فنزل على مجاز الوادي المذكور، فلم يبرح منه، ومضى خالد من فوره حتى لقي ميسرة بمقربة من طنجة، فاقتتل معه قتالاً شديداً لم يسمع قط بمثله" .
وأثناء المعركة انسحب ميسرة إلى طنجة، غير أن الثوار لم يوافقوا على فعله، فعزلوه، وبايعوا خالد بن حميد الزناتي خليفة لقيادة الثورة، قال الرقيق القيرواني: "ثم انصرف ميسرة إلى طنجة، وأنكرت عليه البربر سوء سيرته، وتغيروا عما كانوا بايعوه عليه، وقد بويع بالخلافة، فقتلوه، وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي" ، استأنف خالد بن حامد الزناتي الثورة، وقاد الموريين لتحقيق نصر عسكري على الجيش الذي أرسله عبيد الله بن الحبحاب بقيادة خالد بن أبي حبيب الفهري، وقد وصف الرقيق القيرواني أطوار المعركة بقوله: "فكان بينهم قتال شديد، فبينما هم كذلك إذ غشيهم ابن حميد الزناتي بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر، وانهزموا، فكره خالد أن ينهزم، فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت، فقتل خالد بن أبي حبيب وجميع من معه حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد، وقتل فيها جماعة العرب وفرسانهم، فسميت تلك الوقعة غزوة الأشراف" .
وصل صدى نجاح الثورة إلى أهل الأندلس، "فوثبوا على أميرهم عقبة بن الحجاج الساولي، فقتلوه" ، ثم انتفض أهل إفريقية، "واختلفت الأمور على عبيد الله بن الحبحاب، واجتمع الناس، وعزلوه عن أنفسهم" ، ولما نما الخبر إلى الخليفة هشام بن عبد الملك "كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه، فخرج في جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين ومائة" .
وهكذا أجهز الموريون على الجيش الذي أنفذه عبيد الله بن الحبحاب في معركة فاصلة، سماها الأمويون بغزوة الأشراف، قال ابن عذاري: "فقتل في تلك الوقعة حماة العرب وفرسانها وكماتها وأبطالها، فسميت غزوة الأشراف" ، والمؤسف حقاً أن نجد المؤرخ الموري يعتمد هذه التسمية، ذات المرجعية المشرقية والحمولة العنصرية، لأن استعمالها يعد احتقاراً للذات المورية، وتشريفاً للغزاة، فكان من الأجدر أن يطلق عليها غزوة الموريين، لأنهم كانوا أصحاب المبادرة، وهم من حسم المعركة.
2-3: القضاء على جيش الخليفة (123هـ/741م/2ⵎ) 
إن نجاح الثوار في القضاء على جيش العامل الأموي بطنجة، وعلى الجيش الذي أنفذه الوالي الأموي من إفريقية، أصبح يهدد الوجود الأموي بشمال إفريقيا، لذلك غضب الخليفة هشام بن عبد الملك، "وقال: اقُتل أولئك الرجال الذين كانوا يفدون علينا من المغرب أصحاب الغنائم؟ قيل: نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله لأغضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشاً أوله عندهم وآخره عندي، ثم لا تركت حصن بربري إلاَّ جعلت إلى جانبه خيمة قيسي أو يمني" .
اتخذ هشام بن عبد الملك التدابير اللازمة لنجاح حملته العسكرية، التي كان هدفها هو إبادة الموريين كما صرح بذلك ابن القوطية بقوله: "ثم إن هشام بن عبد الملك عزل ابن الحبحاب عن إفريقية وما وراءها من المغرب، وولى عليها كلثوم بن عياض القيسي، وأمره بقتل البربر" ، ولا شك أن الخليفة كان يقدر جسامة المهمة، وصعوبة تحقيق نصر حاسم، وذلك بعدما نما إليه بلاء الموريين أمام الجيش الذي أنفذه والي إفريقية، ويتضح يقين هشام بن عبد الملك من هلاك قادته أمام الجيش الموري من خلال تعليماته التي حددت من يتولى القيادة بعد هلاك قائد الحملة ومن يليه، قال صاحب أخبار مجموعة في فتح الأندلس متحدثاً عن حملة كلثوم بن عياض: "أخرجه هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين بعسكر، وندب أمير المؤمنين معه الناس، وجعل ولي عهده إن هلك، وكان شيخاً كبيراً ابن أخيه بلج بن بشر، فإن هلك بلج فثعلبة بن سلامة العاملي" .
وبعد أن اتخذ هشام التدابير اللازمة، أمر كلثوم بن عياض بتعبئة الجيوش و"أخرجه من الشام في سبعة وعشرين ألفاً (...) ثم أقبل إلى مصر، فأخرج من أهلها ثلاثة آلاف، فتم بعثه ثلاثين ألفاً من أهل الديوان، سوى من تبعهم من الناس (...) وكتب [هشام بن عبد الملك] إلى عامل إفريقية: إن طاعتك إلى كلثوم بن عمرو، فاخرج معه كل من قبلك من الأجناد وأهل التطوع" .
وبهذا الجيش العرمرم، "خرج [كلثوم بن عياض] إلى إفريقية والمغرب حتى بلغ وادي طنجة وهو وادي سبو، فزحف إليه خالد بن حميد الزناتي فيمن معه من البربر، وكانوا خلقاً لا يحصى، ولقوا كلثوم بن عياض من بعد أن هزموا مقدمته، فاشتد القتال بينهم، وقتل كلثوم، وأضرمت العساكر" ، وحقق الموريون انتصاراً ساحقاً على الجيش الأموي، الذي فر من بقي منه إلى الأندلس وإفريقية، "فمضى أهل الشام إلى الأندلس مع بلج بن بشر القشيري، ومضى أهل مصر وإفريقية إلى القيروان" ، ولم يصل إلى الشام إلا قليل من فلهم.
وقد كانت خيبة هشام بن عبد الملك كبيرة، وندمه عظيماً، "ندم على إخراج أهل الشام، وأن لم يخرج معهم أهل العراق أو غيرهم، لئلا يؤتى جيشه من قلة، وإنما أتوا من طريق القلة، ثم حلف لئن بقي ليخرجن إليهم مائة ألف كلهم يأخذ العطاء، ثم ليخرجن، حتى إذا لم يبق غير نفسه وغير بنيه وبينهم أَقْرَعَ بينه وبينهم، ثم أَخْرج نفسه إن وقعت عليه القرعة" .
3: نتائج الثورة المورية
تعد الثورة المورية لحظة تحول كبرى في تاريخنا، الأمر الذي جعلني أعتبرها حدثاً مرجعياً للتحقيب الموري 1ⵎ، فالثورة المورية كان لها تأثير في الأندلس وإفريقية والشام، ففي الأندلس وثب الأمازيغ على والي الأمويين لما نما إليهم خبر قيام مسيرة بطنجة، قال ابن القوطية: "انتفضت البربر بطنجة على عبيد الله بن الحبحاب، وثار بهم ميسرة (...) فقتلوا عاملهم عمر بن عبد الله المرادي، فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر بطنجة، ثاروا على واليهم عقبة بن الحجاج، فخلعوه" ، وفي إفريقية قام الناس على الوالي عبيد الله بن الحبحاب فعزلوه، قال الرقيق القيرواني: "واختلفت الأمور على عبيد الله بن الحبحاب، واجتمع الناس، وعزلوه عن أنفسهم" ، وبعد الثورة بعشر سنوات انهارت الدولة الأموية، وأدالتها الدولة العباسية، ولا شك أن الثورة المورية قد ساهمت في هذا الانقلاب، إذ أفقدت الدولة الأموية الحامية والموارد، مما أضعف قوتها، وشجع أطراف الدولة على التمرد، فاغتنم العباسيون الفرصة، ووثبوا على الحكم.
وفي بلادنا خلقت الثورة المورية إجماعاً وطنياً ضد الغزو الأجنبي، إذ شاركت فيها مطغرة بقيادة ميسرة، وزناتة بقيادة خالد بن حامد الزناتي، وشاركت غمارة سبتة وطنجة ، واتحادية برغواطة بقيادة طريف، الذي "كان إذاك ملكاً لزناتة وزواغة" ، وغيرها من القبائل، كما كانت الثورة منطلقاً لتشكيل إمارات مستقلة، يزعم البعض أنها عربية، وهذا وهم خالص، لأن الغزاة قضى عليهم الموريون بشكل كلي، فأُقصي العرب من بلادنا جملة، "فكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وهزيمة أهل مصر وإفريقية إلى إفريقية" .
إنه لمؤسف حقاً ألا نحتفي اليوم بالثورة المورية؛ لا نجد لها أثراً في الكتب المدرسية، والدروس الجامعية، والإعلام، فطوال عقود عملت النخبة المستلبة على ربطنا بالمشرق، واعتبرت أن كل فعل يناقض نزوعها هو خروج عن الإجماع وفتنة ينبغي ذمها وطمس معالمها، واليوم لم يعد هناك مبرر لهذا كله، فالإيديولوجية العروبية التي سلبت نخبنا عقلها انتهت إلى الأبد، وحل محلها خطاب موري وطني، لذلك فإننا نطالب بتدريس الثورة المورية باعتبارها لحظة تاريخية فارقة، وحدت الموريين لمواجهة الظلم والجور والتعسف، وكانت منطلقاً لتأسيس إمارات مورية مستقلة، هي: إمارة برغواطة بتامسنا، وإمارة بني مدرار بسجلماسة، وإمارة أوربة بوليلي.
 ملاحظة: الإحالات المصدرية تجدونها في النسخة الورقية.

إذا أعجبتك هذه التدوينة، ساهم في نشرها أو دعم الموقع

دعم الموقع عبر PayPal

إرسال تعليق

أحدث أقدم