تنازع الأدارسة على الحكم وذهاب دولتهم

14 مايو 2022آخر تحديث : منذ يومين
koullab
تاريخنا

أ-تقسيم البلاد

تولى محمد بن إدريس بن إدريس الحكم عام 213هـ، “وفرق البلاد على إخوته برأي جدته كنزة أم إدريس بن إدريس، واتخذ محمد بن إدريس مدينة فاس قرارا”[1]، فـ”ولى أخاه القاسم مدينة طنجة وسبتة وقلعة حجر النسر ومدينة تطوان وبلاد مصمودة وما والى ذلك من البلاد والقبائل، وولى أخاه داوود بلاد هوارة وبلاد تسول ومكناسة وجبال غياثة وتازة، وولى أخاه عيسى على شالة وسلا وأزمور وتامسنا وما والى ذلك من القبائل، وولى أخاه يحيى مدينة البصرة ومدينة أصيلة ومدينة العرائش إلى بلاد ورغة، وولى أخاه عمر مدينة تيكساس ومدينة ترغة وبلاد صنهاجة وغمارة وما والاها، وولى أخاه أحمد مدينة مكناسة وبلاد فازاز ومدينة تادلة، وولى أخاه عبد الله مدينة أغمات وبلاد نفيس وبلاد المصامدة والسوس، وولى أخاه حمزة مدينة تلمسان وأعمالها (…) وتصاغر الباقون عن الولاية فبقوا في كفالة جدتهم مع أخيهم محمد الأكبر”[2].

ب-تنازع إخخوة محمد بن إدريس بن إدريس على الحكم

كان تقسيم محمد بن إدريس بن إدريس بلاد المغرب بين إخوته بتدبير جدته كنزة، وهذا دليل على تقاعسه وعدم كفايته ودرايته بأمور السياسة والحكم، لذلك فأمور الحكم والسلطنة في عهده طبعت بنزوع إخوته إلى الانتزاء بما في حوزهم من مجالات اعتبروها إرثا خالصا، وفي هذا الصدد يقول صاحب الاستبصار متحدثا عن الأمير محمد: “فاستوطن مدينة فاس، وفرق البلاد على إخوته، وفعل ذلك برأي جدته كنزة أم إدريس، ويقال إنه خالف عليه بعض إخوانه، وكانت حروب يطول وصفها”[3]، وكان الأمير الذي انتزى هو عيسى صاحب شالة وسلا وأزمور وتامسنا وما والى ذلك من القبائل.

وصف ابن أبي زرع الفاسي انتزاء الأمير عيسى بقوله: “خرج على الإمام محمد أخوه عيسى بمدينة شالة ومدينة تامسنا، ونكث طاعته، ونبذ بيعته، واستبد بنفسه، فكتب الإمام محمد إلى أخيه القاسم صاحب طنجة وسبتة يأمره بحربه، فامتنع من ذلك، وأحجم عنه، فكتب الإمام محمد إلى أخيه عمر صاحب مدينة تيكساس وبلاد غمارة بمثل ما كتب به للقاسم، فامتثل أمره، وسارع إليه، وجمع عسكرا عظيما من قبائل البربر من غمارة وأوربة وصنهاجة وغيرهم، وسار نحو عيسى، فلما قرب من أحوازه كتب إلى أخيه محمد يستمده بألف فارس من قبائل زناتة وفرسانهم، فمضى عمر لوجهه، فأوقع بأخيه عيسى، وهزمه هزيمه عظيمة، وأخرجه عن مدينة شالة وسائر أعمالها، وكتب إلى أخيه محمد بالفتح والهزيمة، فكتب إليه الأمير محمد يشكر فعله، ويوليه عمله، ويأمره بالمسير إلى قتال أخيه القاسم الذي عصى أمره، وامتنع من حرب عيسى، فسار الأمير عمر بجيوشه إلى قتال أخيه القاسم حتى نزل عليه بمدينة طنجة، فخرج القاسم، واحتوى عمر على ما بيده من البلاد”[4].

إن استنجاد الأمير محمد بأخيه عمر لمحاربة أخويهما عيسى والقاسم، يؤكد تقاعسه عن القيام بأمور الدولة، وهذا أعطى الفرصة لبروز الأمير عمر، الذي أصبح مجال نفوذه بعد حربه لأخويه، وانتزاع مجالاتهما، يشمل مدينة طنجة، وسبتة، وقلعة حجر النسر، ومدينة تطوان، وبلاد المصامدة، وما والى ذلك من البلاد والقبائل، وشالة، وسلا، وأزمور، وتامسنا، وما والى ذلك من القبائل، ومدينة تيكساس، ومدينة ترغة، وبلاد صنهاجة، وغمارة، وما والاها، وعمر هذا هو جد الأدارسة الحموديين الذين أقاموا دولة لهم بالأندلس بعد ذهاب الخلافة الأموية، توفي ببلد صنهاجة، ونقل إلى مدينة فاس، فدفن بها[5]، وذلك قبل وفاة أخيه محمد بسبعة أشهر[6]، وبعده توفي الأمير محمد بن إدريس بن إدريس بمدينة فاس ودفن بشرقي جامعها مع أبيه وأخيه سنة 221هـ، وتولى الحكم بعده ابنه عليا[7].

ثالثا: الأمير علي بن محمد بن إدريس بن إدريس (221-234)

هو الأمير علي بن محمد بن إدريس بن إدريس، أمه حرة اسمها رقية بنت إسماعيل بن عمير بن مصعب الأزدي، بويع يوم وفاة أبيه باستخلافه له في حياته، وسنة يوم بويع تسعة أعوام وأربعة أشهر (…) وسار بسيرة أبيه وجده في العدل والفضل والدين والحزم ،وإقامة الحق، وتأسيس البلاد، وقمع الأعداء وضبط البلاد والثغور، فكان الناس بالمغرب في زمانه في أمن ودعة إلى أن توفي في شهر رجب من سنة أربع وثلاثين ومئتين [فبراير 849]، فكانت أيامه بالمغرب نحو الثلاث عشرة سنة، وولي أخوه يحيى بن محمد[8].

رابعا: الأمير يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس (234-)

تولى الحكم بعد وفاة أخيه علي سنة 234هـ، عرفت فاس نهضة عمرانية زمن حكمه؛ فـ”في أيامه كثرت العمارة بفاس، وقصد إليه الناس من الأندلس وأفريقية وجميع بلاد المغرب، فضاقت بسكانها، فبنى الناس الأرباض بخارجها، وبنى الأمير يحيى بها الحمامات والفنادق للتجار وغيرهم، وفي أيامه بني جامع القرويين”[9].

خامسا: الأمير  يحيى ين يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس

لكنه في المقابل تشاغل عن أمور الحكم، واقتفى فيه نهج والده محمد ابن إدريس، فقام بتقسيم البلاد بين أعمامه وأخواله، وفي هذا الشأن يقول ابن عذاري: “فولى يحيى أعمامه وأخواله أعمالا؛ فولى حسينا القبلة من مدينة فاس إلى أغمات، وولى داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة، وهوارة، وصدينة، وولى القاسم غربي فاس: لماية وكتامة، وتشاغل يحيى عما كان يحق عليه من سياسة أمره، فملك إخوته أنفسهم، واستمالوا القبائل، وقالوا لهم: إنما نحن أبناء أب واحد، وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره، فقدمهم البربر على أنفسهم تقديما كليا”[10].

تتفق المصادر أن يحيى أضاع الحزم، وأساء السيرة، فأبو عبيد الله البكري يقول: أن يحيى دخل على يهودية في الحمام يقال لها حنة، وقد راودها على نفسها، فتغير عليه أهل فاس، ووثب عليه عبد الرحمن بن سهل الجذامي (…) فأخرجه عن مدينة فاس، فهرب إلى عدوة الأندلسيين، فمات من ليلته”[11]، وبعد وفاته انتقل الحكم من بني محمد إدريس إلى بني عمر بن إدريس، بعد أن قدم علي بن عمر صاحب بلاد صنهاجة وغمارة، وقضى على ثورة عبد الرحمن بن سهل الجذامي، ودخل مدينة فاس[12].

سادسا: الأمير علي بن عمر بن إدريس بن إدريس ()

الأمير علي هذا هو ابن الأمير عمر الذي استدعاه أخوه محمد لاستنزال اخويه عيسى والقاسم، وبعد استنزالهما أصبح حوز بلاده يمتد على طول الساحلين الأطلنتي والمتوسطي، في حين اكتفى أبناء محمد بفاس ما والاها، وبعد وفاة يحيى بن محمد وثورة عبد الرحمن بن سهل الجذامي أقبل علي بن عمر من بلاد صنهاجة، ودخل مدينة فاس، “واستقام له الأمر إلى أن خرج عليه عبد الرزاق الفهري الخارجي (…) فخرج إليه الأمير علي بن عمر بن إدريس رضي الله في عسكر عظيم، فكانت بينهم حروب عظيمة، وكان الظفر فيها لعبد الرزاق الخارجي، فهزم علي بن عمر، وقتل خلق كثير من جنده، وفر علي بنفسه إلى بلاد أوربة، ودخل عبد الرزاق إلى مدينة فاس”[13].

سابعا: يحيى بن القاسم بن إدريس المعروف بالمقدم (ت292)

بعد فرار الأمير على بن عمر بن إدريس إلى أوربة منهزما أمام جيش عبد الرزاق الخارجي، استدعى أهل فاس يحيى بن القاسم، “فولوه على أنفسهم، فلم يزل بها حتى قتله ربيع بن سليمان في سنة اثنين وتسعين ومائتين”[14].

ثامنا: يحيى بن إدريس بن عمر (292-307)

ولي يحيى بن ‘إدريس فاس بعد وفاة يحيى بن القاسم سنة 292هـ، وفي هذا الصدد يقول أبو عبيد الله البكري: “فتقدم يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس إلى مدينة فاس، فدخلها، ورجع الأمر إلى بني عمر، فلم يزل بيد يحيى حتى قدم مصالة بن حبوس سنة سبع وثلاثمائة (…) فخرج إليه يحيى مدافعا له، فانهزم يحيى، وانفض جمعه، ولم تقم له قائمة بعد”[15]، لكن ابن أبي زرع يقدم لنا رواية مفادها أن مصالة تقبض على يحيى بعد أن أوغر موسى بن أبي العافية صدره عليه، بقوله: “سعى موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس عنده [مصالة] حتى أوغر صدره عليه، فعزم مصالة على القبض عليه، فلما قرب من مدينة فاس خرج إليه الأمير يحيى بن إدريس يسلم عليه في قوم من وجوه عسكره، فقبض عليهم مصالة، وقيد يحيى بالحديد، ودخل مصالة مدينة فاس ويحيى بن إدريس بين يديه مقيد على جمل، فعذبه بأنواع من العذاب، حتى أخرج إليه ماله وذخائره، فلما قبض مصالة الأموال، أطلقه ونفاه إلى مدينة أصيلة”[16].

ولما قبض مصالة على يحيى بن إدريس ونفاه، قدم على مدينة فاس ريحان المكناسي، ورجع إلى افريقية، فأقام ريحان المكناسي عاملا على مدينة فاس وأحوازها ثلاثة أعوام، إلى أن قام عليه بها الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الحسني فأخرجه عنها[17].

تاسعا: الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس (310-313)

بعد انصراف مصالة بن حبوس إلى أفريقية، “قام حسن بن علي الحسني مع البربر، “ونفى ريحان عنها، وملكها عامين، وزحف للقاء موسى بن أبي العافية، وكانت بينهما حروب شديدة هلك فيها ابنه منها بن موسى، وانجلت المعركة على أكثر من ألف قتيل، وخلص الحسن إلى فاس منهزما، وغدر به حامد بن حمدان الأوربي واعتقله، وبعث إلى موسى، فوصل إلى فاس، وملكها، وطالبه بإحضار الحسن، فدافعه عن ذلك، وأطلق الحسن متنكرا، فتدلى من السور، فسقط، ومات من ليلته (…)، وذهب ملك الأدارسة، واستولى ابن أبي العافية على جميع المغرب، وأجلى بني محمد بن القاسم بن إدريس، وأخاه الحسن إلى الريف، فنزلوا البصرة، واجتمعوا إلى كبيرهم إبراهيم بن محمد بن القاسم أخي الحسن، وولوه عليهم، واختط لهم الحصن المعروف بهم هنالك وهو حجر النسر سنة سبع عشرة وثلاثمائة”[18].


[1]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.308.

[2]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.51.

[3]  مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، ص.196.

[4]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص ص.51-52.

[5]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.309.

[6]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.53.

[7]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.52.

[8]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.53.

[9]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص ص.53-54.

[10]  ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب، ج1، ص.222.

[11]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.309.

[12]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.78.

[13]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص ص.78-79.

[14]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.309.

[15]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.310.

[16]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.81.

[17]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.81.

[18]  ابن خلدون، العبر، ج4، ص.22.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد

سأقرأ تعليقاتكم بعناية، وسأجيب عنها في البث المباشر
  • HANANE PEYRE

    HANANE PEYREمنذ يومين

    تنازع ابناء ادريس بن ادريس الحكم فيما بينهم وهم كثر فاقتتلوا فيما بينهم رغم تدخل جدتهم كنزة في محاولة منها لتثبيت الحكم واستمرارية الدولة لكن الصراع استمر إلي أن ضهرت ثورات من خارج دائرة الأسرة الواحدة ليفتح الباب لصراغات تعدت حدود الدولة لتنهي بدلك حكم الادارسة.
    .
    مظاهر القتال بين الاخوة قادها عمر مع اخيه محمد ضد عيسى حاكم سلا والقاسم حاكم طنجة فهزمهما.
    السؤال: لمادا خرج كل من عيسى والقاسم عن طوع اخيهما محمد دون إخوته الاخرين ؟

    ولماذا عمر هو من تزعم قتالهما دون تردد؟

    استمر الحكم مع ابناء وحفدة محمد بن إدريس
    ولم تعرف فاس استقرار واضحا الا في عهد علي بن محمد بن ادريس وكان حاكما عادلا وحازما اما ازدهارها العمراني والاقتصادي والسكاني الا عهد اخيه يحيى بن محمد بن ادريس ولم يكن رجلا دا حزم ولا تقية.

    ماهي العوامل التي جعلت من فاس مدينة مزدهرة ويقصدها الجميع من كل بلاد المغرب وافريقيا والاندلس؟ مع ان حاكمها كان متقاعسا واقتسم الحكم مع اخواله واعمامه.

    لما اشتدت حدة الاحدات على الادارسة كانت هناك عدة تحولات سياسية في افريقيا وفي الاندلس مما زاد الامر تعقيدا فظهرت ادطرابات
    كان اخطرها دخول مصالة بن حبوس الى سجلماسة ثم الى فاس.
    فتمكن موسى بن العافية من نفي الادارسة من فاس الى حجر النسر بعد غدر طالهم من حامد الاوربي.
    لمادا غدر حامد الاوربي الحسن بن محمد بن القاسم؟ رغم انه حاول مساعدته على الفرار؟

    استسمح على التاخر في التعليق فلم يكن ابدا من السهل الوصول الى هدا الطرح المتواضع. 🙏🙏🙏🙏🙏

الاخبار العاجلة