إدريس الثاني وتأسيس الدولة المركزية

13 مايو 2022آخر تحديث : منذ يومين
koullab
تاريخنا

أ-بيعة إدريس بن إدريس:

بويع إدريس إدريس على الأرجح عام سبع وثمانين ومائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وفي ذلك يقول أبو عبيد الله البكري: “ومات إدريس ولا ولد له وجارية من جواريه حُبلى، فقام راشد بأمر البربر حتى ولدت غلاما، فسماه باسم أبيه، وقام بأمره، وأدبه، وأحسن تأديبه، وكان مولده في ربيع الآخر سنة خمس وسبعين ومائة، وتوفي راشد سنة ست وثمانين ومائة (…) وقام بأمر الغلام أبو خالد يزيد بن ألياس الفارسي، وأخذ بيعة البربر له يوم الجمعة السابع من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة”[1].

ب-بناء مدينة فاس:

اختط إدريس بن إدريس مدينة فاس وشرع في بنائها عام 192هـ، “وكان تأسيس الإمام إدريس لمدينة فاس على ما ذكره المؤرخون الذين اعتنوا بتاريخها وأنبأوا عن ابتداء أمرها في يوم الخميس غرة ربيع الأول عام اثنين وتسعين ومئة [4 يناير 808م]، أسس عدوة الأندلس منها، وأدار بها السور، وبعدها بسنة أسست عدوة القرويين وذلك غرة ربيع الآخر من سنة ثلاث وتسعين ومئة [22 يناير 809م]” [2]، وقد سميت العدوتين نسبة لأصول غالبية سكانتها.

 فعدوة الأندلسين، كان يستوطنها الأندلسيون الذين أوقع بهم الحكم بن هشام الأموي وطردهم إلى بر العدوة، “وكانوا ثمانية آلاف بيت، فنزلوا عدوة الأندلس، وشرعوا بها في البناء يمينا وشمالا”[3]، وقد أورد الذهبي أحداث ثورة أهل الربض على الحكم بن هشام بن عبد الرحمان وإيقاعه بهم، وجوازهم إلى العدوة فرارا من بطشه بقوله: “وكانت وقعة هائلة شنيعة، مضى فيها عدد كثير زهاء عن أربعين ألفا من أهل الربض، وعاينوا البلاء من قدامهم ومن خلفهم، فتداعوا بالطاعة، وأذعنوا ولاذوا بالعفو، فعفا عنهم على أن يخرجوا من قرطبة، ففعلوا وهدمت ديارهم ومساجدهم، ونزل ألوفا بطليطلة وخلق في الثغور، وجاز آخرون البحر، ونزلوا بلاد البربر، وتبت جمع بفاس، وابتنوا على ساحلها مدينة غلب على اسمها مدينة الأندلس”[4].

أما عدوة القرويين، فـ”سميت عدوة القرويين لأن أول من نزلها مع إدريس رضي الله عنه ثلاثمائة بيت من أهل القيروان، فسميت بهم ونسبت إليهم”[5].

ويرجع ابن أبي زرع الفاسي بناء مدينة فاس إلى ضيق مجال وليلي بسب وفود العرب من بلاد أفريقية وبلاد الأندلس، بقوله: “وفي سنة تسع وثمانين ومئة، وفدت على إدريس رضي الله عنه وفود العرب من بلاد إفريقية وبلاد الأندلس في نحو الخمسمئة فارس من القيسية والأزد ومدلج وبني يحصب والصدف وغيرهم، فسر إدريس بوفادتهم، وأجزل صلاتهم، وقربهم، ورفع منازلهم، وجعلهم بطانته دون البربر، فاعتز بهم لأنه كان فريدا بين البربر ليس معه عربي (…) ولم تزل الوفود تقدم عليه من العرب والبربر من جميع الآفاق، فكثر الناس، وضاقت بهم مدينة وليلي، فلما رأى إدريس رضي الله عنه أن الأمر قد استقام له، وعظم ملكه، وكثر جيشه، وضاقت بهم المدينة، عزم على الانتقال عنها، وأراد أن يبني مدينة يسكنها هو وخاصته وجنوده ووجوه أهل دولته”[6].

ج-غزوات إدريس بن إدريس:

استأنف إدريس بن إدريس مشروع والده الرامي إلى إقامة دولة مركزية توحد المجال المغربي، وهكذا ففي “سنة سبع وتسعين ومئة (…) خرج إلى غزو نفيس وبلاد المصامدة، فوصل إليها، فدخل مدينة نفيس ومدينة أغمات، وفتح سائر بلاد المصامدة، ورجع إلى فاس، فأقام بها إلى شهر المحرم من سنة تسع وتسعين ومئة، فخرج منها برسم غزو قبائل نفزة، فسار حتى غلب عليهم”[7].

 وبعد غزو إدريس بن إدريس بلد المصامدة وقبائل نفزة، “دخل مدينة تلمسان، فنظر في أحوالها، وأصلح أسوارها وجامعها، وصنع فيه منبرا، قال أبو مروان عبد الملك الوراق، دخلت مسجد تلمسان في سنة خمس وخمسن ومئتين، فرأيت في رأس منبرها لوحا من بقية منبر قديم قد سمر عليه هناك مكتوب فيه: هذا ما أمر به الإمام إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم في شهر المحرم سنة تسع وتسعين ومئة، فأقام إدريس رضي الله عنه بمدينة تلمسان وأحوازها ثلاث سنين، ثم رجع إلى مدينة فاس”[8].

وخرج أيضا لقتال برغواطة، قال أبو عبيد الله البكري، قال داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، كنت مع إدريس بن إدريس في المغرب، فخرجت معه يوما إلى قتال الخوارج، فلقيناهم وهم ثلاثة أضعاف عددنا، فقاتلناهم قتالا شديدا”[9].

د-وفاة إدريس بن إدريس:

توفي إدريس بن إدريس سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة[10]، وقد اختلف في مكان وفاته وموضع دفنه، فأبو عبيد البكري ذكر أن وفاته كانت بوليلي[11]، أما ابن أبي زرع الفاسي ذكر أن وفاته كانت بمدينة فاس بقوله: “ثم رجع إلى مدينة فاس، فلم يزل بها إلى أن توفي رحمه الله سنة ثلاث عشرة ومئتين (…) ودفن بمسجده بإزاء الحائط الشرقي منها، ودفن بقبلتها”[12]، وفي زمن السلطان مولاي إسماعيل العلوي عثر على قبر إدريس بن إدريس بمسجد الشرفاء بفاس، وفي هذا الصدد قال القادري في كتاب نشر المثاني: “ولما أراد الله تعالى إظهار قبر هذه البضعة (…) كان السبق لإظهاره كما هو مكتوب في المرمرة التي موالية له في الحائط، ونص المراد منها؛ ولما قضى نحبه أي الإمام إدريس باني فاس، دفن بإزاء بلدهم الكبيرة الحرمة الشهيرة بمسجد الشرفاء، ولم يعينوا موضع قبره إلى أن أراد الله تعالى إظهاره رحمة ولطفا خص به هذه الأمة، فاتفق أن اختير أساس حائط القبلة من الجانب الأيسر (…) فعثر على القبر الكريم الأطهر، ووجد اللحد قد أبلت الليالي رسمه فلم يبق منه إلا قليل، والعظم المرحوم باق بحاله لم يكن للأرض عليه سبيل”[13].

يتبع

[1]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.307.

[2]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.38.

[3]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.47.

[4]  الذهبي، سير أعلام النبلاء ص.1535.

[5]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.47.

[6]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.29.

[7]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.50.

[8]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.50.

[9]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.307.

[10]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.308.

[11]  أبو عبيد الله البكري، المسالك والممالك ص.308.

[12]  ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص.50.

[13]  محمد الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق، نشر وتوزيع مكتبة الطالب، الرباط، 1407/1984، ج3، ص.243.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات 3 تعليقات

سأقرأ تعليقاتكم بعناية، وسأجيب عنها في البث المباشر
  • محمد دگوگ

    محمد دگوگمنذ 3 أيام

    بعد التحية لكم الشكر الجزيل أستاذي على المجهود الكبير في البحث و العرض … أثرتم اختلاف المؤرخين بشأن تاريخ وفاة إدريس الاول مما قد يؤثر على تاريخ ازدياد خلفه ادرس الثاني، و لم يختلفوا في تاريخ مبايعة الاخير عند بلوغه 11 سنة و لا في تاريخ وفاة الراشد و لا في تاريخ بناء فاس .. كل التواريخ متفق عليها منذ بداية الحركة العلوية إلا تاريخ وفاة الاول مما يثير تسؤلا بشأن نسب الثاني له ..؟؟ فهل من مرجع بهذا الشأن، و لكم جزيل الشكر أستاذي الجليل.

  • HANANE PEYRE

    HANANE PEYREمنذ 3 أيام

    يبدو ان مقتل المولى ادريس الأكبر لم يساعد على استكمال مشروع تاسيس الدولة المركزية القوية وتوحيدها. إذ ثمت بيعة ابنه من طرف البربر سنة بعد وفاة راشد الدي رعاه وحماه. وبعدما تولى شأنه ابوخالد يزيد بن إلياس الفارسي
    .
    من يكون هدا الرجل؟ هل كان من حاشية راشد؟

    وكيف ادريس الاصغر كان قد اعتز بالعرب القادمين من الاندلس وافريقيا وجعلهم سندا وقوة له دون البربر هل هناك تحول قد وقع بعد وفاة راشد؟
    أسس ادريس بن ادريس فاس وحصنها وقد اصبحت حاضرة بعدوتيها الاندلسية والقرويين نسبة إلى أهل من استوطنهما لتكون بذلك قاعدة قوية تنطلق منها غزواته لاخضاع القباءل التي لم تلتحق بحكمه بعد. ثم تلمسان التي رممها بعدما تعرضت للخراب. ولم يبق امامه الا خصمه بورغواطة القوية والتي ظلت مستعصية. وقد ذكر ابو زرع الفاسي بانه هزمها وهدا فيه قول كثير.
    اذا الدولة المركزية اصبحت ظاهرة المعالم، فالى اي مدى تنجح المولى ادريس الابن في هدا الامر؟ وماهي العوامل الحقيقية التي ساعدته في ذلك؟
    اطمع في اجابة شافية على قدر المستطاع من فضلكم استادي المحترم 🙏

    لكم خالص امتناني.

  • حسن

    حسنمنذ 4 أيام

    لم تكن الدولة الإدريسية الا مسودة brouillon للدولة المغربية الامازيغية ولم يستفد إدريس وابنه وبعد حفدته الا من تعايش مع الامازيغ… Séjour… مع بورغواطة ونكور وصنهاجة وغيرهم من قباىل المغرب…

الاخبار العاجلة