المنهاج: من المنطلق الفصلي إلى المنطلق الوصلي

واتساب
المنهاج الدراسي

المنهاج الفصلي والمنهاج الوصلي

أضحى من غير الوارد إقامة حدود فواصل بين المواد الدراسية في السياق المدرسي، وتدشين تعلمات مفصولة بعضها عن بعض لا توحدها أي إشكالية، فذلك لن يتناغم مع طبيعة المعارف المتطورة، وسيبقى متنافيا في الوقت ذاته مع مقتضيات الحياة اليومية، التي أصبحت بطبيعتها تعول أشد التعويل على تفعيل مواد دراسية مختلفة بشكل مندمج.
والحقيقة أن تعقد الوضعيات التي قد يصادفها المتعلم لاحقا في الحياة اليومية أو المهنية هي التي تجعل المنهاج الوصلي كرهان كرهان رابح، لغناه وفعاليته. فهو الأقدر على تزويد التلميذ بدربة كافية وكفاية لازمة، تخول له مواجهة المشكلات التي يمكن أن تعترضه في حياته بنجاح.
لكن يجب ألا يفهم مما تقدم أن المقاربة بواسطة الكفايات لا تنيط عنايتها الخاصة إلا بالمواد المتداخلة، وتقصي من نطاقها ما بظل يدور في فلك المادة الدراسية الواحدة، فالأمر خلاف ذلك، إذ تخصص لها حيزا من مجال اهتمامها، بما أن هناك مشكلات مرتبطة بمادة دراسية معينة، وتستلزم هذه الأخيرة معارف خاصة بها. غير أن القدرات التي تتشكل منها الكفاية تظل ذات طبيعة امتدادية، فلا تقترن بمادة دراسية بعينها.
وإذا شئنا أن نستعرض تصور دهينو (1983) يمكن أن نتحدث عن ثلاثة أنماط من المناهج يتحكم فيها المنطق الوصلي، غير أنها تتفاوت من حيث درجته، وهي على التوالي:
- منهاج تداخل المواد أو التخصصات Interdisciplinarité
- منهاج الامتداد عبر المواد Transdisciplinarité
- منهاج تعدد المواد Pluridisciplinarité
يقضي النوع الأول بأن معالجة مشكلة مركبة أو وضعية، على نحو ملائم لا يمكن أن يتحقق إلا بالرجوع إلى مكتسبات مستمدة من تخصصات متغايرة. يمكن أن نمثل لذلك بمشكلة السكن غير اللائق في المدن. فمقاربة هذا المشكل تستدعي إضاءات متعددة الجوانب، وتشمل ما هو تاريخي وجغرافي ورياضي واقتصادي... بيد أن نمط العلاقة التي تحكم هذه المواد أو التخصصات ليست قائمة على مبدإ التجاور  أو التجميع، وإنما على مبدإ الاندماج، حيث تغدو فيه التعلمات متعالقة بعضها ببعض ، ولا تحيد عن الوضعية المصاغة في مشكلة، خلافا للمنظور (تعدد المواد الدراسية).
في حين يقضي منظور الامتداد عبر المواد بوضع الخطوات التي على المتعلم تشغيلها في مواد دراسية مختلفة.
أما المنظور الثالث، (منهاج تعدد المواد) فيستحضر مواد دراسية مختلفة أو  تخصصات متباينة، عند مقاربة موضوع معين أو وضعية محددة. يمكن مثلا، أن نقارب موضوع المدينة من زوايا متعددة: هندسية، جمالية، تاريخية، جغرافية، انتروبولوجية، سياسية... وعندها يدر التلميذ أن أساتذة مختلف المواد الدراسية يتحدثون عن الواقع نفسه. والملاحظة المسجلة على هذا المنظور كون المواد الدراسية تصبح محكومة بنظام التجاور، وما يجمعها هو وحدة المحور أو الإشكالية أو المفهوم.
وبالجملة يمكن القول إن المنهاج قد يصمم وفق منطق فصلي، فيضع مصمموه نصب أعينهم إقامة حدود فواص بين مختلف المواد الدراسية، أو يصمم على أساس منطق وصلي، يراعي العلاقة التكاملية والصلات الشابكة بين مواد دراسية أو تخصصات مختلفة. ويعد الأول من أشيع المناهج توظيفا في المدارس لسهولته، لأن واضعيه يسيرون على هدي المجالات المعرفية المتخصصة، كما هي في سياقها الأكاديمي، من دون إعمال جهد المحاولة لدمج المعارف والبحث عن الوشائج الرابطة بينها، بما يخدم الوضعيات التعلمية. بينما يحرص واضعوا المناهج الوصلية على إعمال مبدإ الاندماج  في إطار التعامل مع المعارف، لأن الكثير من الوضعيات المصاغة في مشكلات تستلزم صهر أكثر من مادة دراسية. وهنا يمكن وجه تميز هذا المنهاج على الأول، على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي تعترص واضعيه.
لحسن توبي، بيداغوجيا الكفايات والأهداف الاندماجية
الأقسام:

0 commentaires: