صفقة القرن من بال بسويسرا إلى المنامة بالبحرين


صفقة القرن أو خطة السلام في الشرق الأوسط؛ هي خطة أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية
موضوعها المعلن: حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال:
-إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصادات الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، هذا الدعم الذي سيقدمه المانحون قيمته تبلغ 50 مليار دولار على مدى 10 سنوات. نصفه سيوجه للقطاع والضفة، والنصف الآخر لإنعاش اقتصاد الأردن ومصر ولبنان.
-تسهيل الربط بين الضفة والقطاع ببناء ممر بكلفة 5 ملايير دولار.
قال كوشنر صهر ترامب شارحا خطته: «الجانب الاقتصادي والجانب السياسي يمثلان جهدين قويين جدا، واستيعابهما في وقت واحد سيكون صعبا جدا للغاية، لذا كان من الضروري فصلهما، لذا كان السؤال أيهما سنضع أولا؟ باعتقادنا أنه من الأفضل وضع خطة اقتصادية أولا لأنها أقل إثارة للجدل"
هذا هو المعلن من الصفقة، لكن الخفي المضمر يبقى سريا ولن يكشف عنه إلا بعد تحقق الأهداف السياسية للصفقة.
وهذه الصفقة لا يمكن فهمها إلا في سياق الأحداث التي مرت منها القضية الفلسطينية، لأنها محطة ضمن باقي المحطات، وبذلك ففهم حقيقتها يتحقق بضبط الأحداث التي سبقتها وترتبط معها بعلاقات تكامل، لذلك أجد نفسي مضطرا لاستعراض أهم الأحداث التي مرت منها القضية الفلسطينية، وكذا الصراع العربي الإسرائيلي. ليظهر لكم في النهاية أن صفقة القرن هي محطة من محطات مخطط أعد سلفا ويتم تنفيذه بالتدرج (التفاصيل في الفيديو)
لماذا صفقة القرن؟
صفقة القرن في هذا التوقيت يمكن تفسيرها بعاملين:
عامل طويل الأمد: إذ تدخل في مخطط عام هدفه إقامة إسرائيل الكبرى؛ هذا المخطط بدأ منذ سنة 1897، سنة انعقاد مؤتمر بال بسويسرا، وانعقاد مؤتمر المنامة يدخل في إطار هذا المخطط الطويل، ولأثبت لكم جدية هذا المخطط؛ هو أن هرتزل عندما سئل عن متى ستقوم دول إسرائيل أجاب: ستقوم على وجه الاحتمال في 50 سنة وعلى وجه اليقين في 100 سنة. فلنقم بعملية حسابية ونرى:
من 1897 تاريخ انعقاد مؤتمر بال بسويسرا إلى سنة 1947 تاريخ تقسيم فلسطين وفق قرار الأمم المتحدة: 50 سنة.
من وعد بلفور سنة 1917 إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس سنة 2018: 101 سنة.
ولتنفيذ هذا المشروع فإن الدول العظمى وإسرائيل تمهد له بالتدرج، وهكذا فإن ما يحدث الآن في الدول العربية القريب مجالها من مجال إسرائيل الكبرى المحتمل ينبغي إدخالها في الفوضى الخلاقة. وبذلك يمكن تفسير مجموعة من الأحداث والوقائع التي تحدث الآن برغبة الدول العظمى تفكيك الشرق الأوسط تمهيدا لإعلان إسرائيل الكبرى، من هذه الأحداث غزو العراق، والربيع العربي، والصراعات في مجلس التعاون الخليجي وغيرها. طبعا نحن في علم التاريخ تبدو لنا الصورة واضحة، لأننا لا ندرس الأحداث منعزلة بعضها عن بعض، وبعيدة عن السياق. بل ندرس الأحداث في ترابطها وتكاملها في إطار المدة الطويلة الممتدة. فكل حدث يقع الآن له ارتباطات بأحداث سبقته، ويفسر على ضوئها.
قد يعارضني قائل بالقول إن ما يحدث الآن هو بسبب فساد الأنظمة السياسية العربية، هذا لا جدال فيه، ولكن ينبغي أن يعلم صاحب هذا القول إن الدول العظمى تخطط وتكيف مخططاتها مع حركة التاريخ ولا تترك فرصة ولا حدثا إلا استغلته فيما يخدم مشروعها ومخططاتها، ولأوضح لكم ذلك أضرب مثالا من التاريخ أبرز لكم فيه كيف أن الدول العظمى تخطط وتنفذ:
-مراسلات الشريف حسين والسير هنري مكماهون ممثل ملك بريطانيا في مصر: (14 يوليوز 1915 إلى 10 مارس 2016).
الشريف حسين كان يرغب في تكوين دولة عربية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، وكان يراسل مكماهون في هذا الشأن، وفي إحدى مراسلاته كتب قائلا:
يرى الشعب العربي أنه من المناسب أن يسأل الحكومة البريطانية إذا كانت ترى من المناسب أن تصادق بواسطة مندوبيها أو ممثليها على الاقتراحات الأساسية الآتية: أولاً: أن تعترف إنجلترا باستقلال البلاد العربية من مرسين ـ اذنه، حتى الخليج الفارسي شمالاً ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقا، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوباً يستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي ـ ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سينا غربا.
أجابه مكماهون قائلا: وإنا نصرح هنا مرة أخرى أن جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة (...) أن (...) بريطانيا العظمى مستعدة بأن تعترف باستقلال العرب وتؤيد ذلك الاستقلال في جميع الأقاليم الداخلة في الحدود التي يطلبها دولة شريف مكة.
-اتفاقية سايكس بيكو 1916:
في الوقت الذي كانت فيه المراسلات جارية بين الشريف ومكماهون، اتفقت بريطانيا سرا مع فرنسا على اقتسام الأراضي العربية بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية. تم الوصول إلى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 ومايو من عام 1916 بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس.
وذلك في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات جارية بين الشريف حسين وهنري مكماهون.
أي أن هناك مشاورات سرية واتفاقية تجري الآن لا نعلم عنها شيئا، وبذلك فالهدف السياسي من صفقة القرن غير معلن، لكن بنود الاتفاق وشروطه وسياقه يمكن أن تمكن المحلل النبيه من استجلاء ما سيكشفه لنا المستقبل.
عامل يتعلق بالورطة الوجودية التي تعيشها إسرائيل اليوم، التي تتمثل مظاهرها في:
-عدم إيمان كثير من اليهود بالدولة الصهيونية.
-تزايد النعرات بين اليهود بسبب اختلاف هوياتهم وثقافاتهم.
-توقف الهجرة إلى فلسطين وبداية هجرة معاكسة، والتزايد الديموغرافي المهم في فلسطين.
- نهاية أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، خاصة بعد اندحاره في جنوب لبنان وفي غزة.
-قصف الفلسطينيين للتجمعات الإسرائيلية وسيادة جو من عدم الأمن.

من خلال ما تقدم يتضح أن القضية الفلسطينية مرت بمراحل يمكن إجمالها في الآتي:
-مرحلة المؤامرات: 1917 وعد بلفور، 1922 الانتداب، 1947 تقسيم فلسطين
-مرحلة المواجهات العسكرية: 1948 توسع إسرائيل في فلسطين، 1962 ضم الأراضي الفلسطينية والجولان وسيناء، حرب أكتوبر 1973.
-مرحلة المفاوضات: 1978 اتفاقية كامب ديفيد، 1991 مؤتمر السلام في مدريد، 1993 و1995 مؤتمر أوسلو الأول والثاني.
-نحن الآن في مرحلة جديدة عنوانها الكبير هو صفقة القرن، لا يمكن إلا أن تكون تتمة لمسلسل طويل هذا المسلسل بطلته الولايات المتحدة وصنيعتها إسرائيل، والكمبرس الذي يؤثث الفضاء هو الدول العربية المنبطحة، يتجه هذا المسلسل نحو حلقته الأخيرة، حلقة لا كالحلقات التي تشاهدون في الأفلام التي تنتهي في الغالب بفوز الخير على الشر. حلقة إذا ما وضعناها ضمن المسلسل كله فإنها تبدو لنا ضربة قاضية للقضية الفلسطينية.
ولكم في التاريخ عبرة يا أولي الألباب. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


الأقسام:
المشاركات المشابهة

0 التعليقات: